إعداد: حسن يوسف زرما
لم تعد الهجمات التي تشهدها مالي مجرد عمليات متفرقة تنفذها جماعات مسلحة، بل أصبحت تعكس تحولًا في طبيعة الصراع نفسه. فخلال العامين الأخيرين، أظهرت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين قدرة متزايدة على تنفيذ عمليات منسقة في جبهات متعددة، مستفيدة من اتساع الجغرافيا، وضعف الانتشار العسكري، والتحديات اللوجستية التي تواجه القوات الحكومية.ويكشف تحليل مسار العمليات الأخيرة أن الجماعة لم تعد تراهن على الاحتفاظ بالأرض بقدر ما تراهن على إنهاك خصومها، وإرباك منظومة القيادة والسيطرة، وإضعاف ثقة السكان بقدرة الدولة على بسط الأمن.عقيدة قتالية تقوم على الحركةوفق مراجعة لعدد من الهجمات المعلنة خلال الأشهر الماضية، يتبين أن الجماعة تعتمد على مبدأ الحركة المستمرة بدلاً من التمركز. وتُستخدم الدراجات النارية والعربات الخفيفة للوصول السريع إلى الأهداف، بينما تُنفذ الهجمات في أوقات يصعب فيها على القوات الحكومية تنظيم رد فعل سريع.كما تُستهدف المواقع العسكرية النائية التي تعاني بطبيعتها من ضعف الإسناد وصعوبة وصول التعزيزات، ما يمنح المهاجمين فرصة لتحقيق مكاسب تكتيكية قبل الانسحاب.حرب استنزاف لا حرب احتلاليرى عدد من المتابعين للشأن الأمني في الساحل أن الهدف الأساسي لم يعد السيطرة الدائمة على المدن، وإنما فرض استنزاف مستمر على القوات الحكومية. فكل هجوم يفرض على الجيش إعادة نشر قواته، وتأمين طرق الإمداد، وتعزيز المواقع، وهو ما يستهلك الموارد البشرية والمالية بصورة متواصلة.وتُستخدم الكمائن وقطع طرق الإمداد لإبطاء حركة القوات، بينما تُستغل الدعاية الإعلامية لإبراز أي نجاح ميداني وتحويله إلى مكسب سياسي ومعنوي.التحدي أمام الدولةتشير التجارب في مالي وبوركينا فاسو والنيجر إلى أن الحل العسكري وحده لا يكفي لإنهاء التمرد. فاستمرار ضعف الخدمات الحكومية، وهشاشة الإدارة المحلية، واتساع المناطق الريفية، يوفر بيئة يمكن للجماعات المسلحة استغلالها لتوسيع نفوذها أو كسب تعاون بعض المجتمعات المحلية.ويرى محللون أن تعزيز الاستخبارات، وتحسين التنسيق بين القوات، وتطوير قدرات الاستجابة السريعة، إلى جانب دعم الإدارة المدنية، يمثل عناصر أساسية لأي استراتيجية طويلة الأمد.هل تغيرت طبيعة الصراع؟التطور الأبرز يتمثل في انتقال الجماعات المسلحة من تنفيذ هجمات منفردة إلى عمليات مركبة ومتزامنة، تستهدف أكثر من محور في وقت واحد. ويجبر هذا الأسلوب القوات الحكومية على توزيع جهودها، ويقلل من قدرتها على تركيز القوة في جبهة واحدة.ومن خلال ما سبق تكشف تطورات الميدان في مالي أن الصراع دخل مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث أصبحت القدرة على التكيف والمرونة عاملاً حاسمًا لدى جميع الأطراف. وبينما تواصل الجماعات المسلحة تطوير أساليبها، يبقى نجاح الدولة مرتبطًا بقدرتها على الجمع بين الأمن، والاستخبارات، والتنمية، وكسب ثقة السكان، وهي معركة لا تُحسم بالسلاح وحده، بل ببناء مؤسسات قادرة على فرض الاستقرار واستعادة ثقة المواطنين.
