كشف رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة المالية، الجنرال جان إيليزيه داو، تفاصيل جديدة حول المعارك التي شهدتها منطقة أنفيف شمال مالي، مؤكداً أن العمليات العسكرية التي أعقبت الهجمات المتزامنة في 4 يوليو 2026 أسفرت عن تحييد أكثر من ألف عنصر إرهابي وتدمير جزء كبير من القدرات القتالية لتحالف جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة.وجاءت تصريحات رئيس الأركان خلال مقابلة مع التلفزيون الرسمي المالي، أوضح فيها أن معركة أنفيف لم تكن مجرد عملية دفاعية لصد هجوم على قاعدة عسكرية، بل كانت جزءاً من خطة عسكرية واسعة هدفت إلى استدراج الجماعات المسلحة إلى معركة مفتوحة في منطقة صحراوية مكشوفة، بعدما كانت تعتمد خلال السنوات الماضية على أسلوب الكمائن والاختباء والقتال غير المباشر.وأوضح الجنرال داو أن الهجمات المنسقة التي شهدتها البلاد فجر الرابع من يوليو 2026 استهدفت في توقيت واحد مواقع عسكرية في أنفيف، وأغيلهوك، وغاو، وسيفاري، إضافة إلى سجن كينيوروبا جنوب غرب العاصمة باماكو، إلا أن الجيش تمكن من احتواء معظم تلك الهجمات خلال ساعات قليلة، بينما تركزت المعركة الرئيسية في أنفيف، التي وصفها بأنها كانت الهدف الاستراتيجي الأول للمهاجمين.وأشار إلى أن الجماعات المسلحة سعت إلى السيطرة على أنفيف لأنها تمثل القاعدة الأمامية الرئيسية للقوات المسلحة المالية والفيلق الإفريقي الروسي على المحور المؤدي إلى كيدال، كما أن السيطرة عليها كانت ستؤدي إلى قطع خطوط الإمداد نحو قاعدة أغيلهوك، آخر المواقع العسكرية التي يحتفظ بها الجيش بين كيدال وتيساليت، وهو ما كان سيمنح الجماعات المسلحة أفضلية ميدانية كبيرة في أقصى شمال البلاد.وأضاف أن القوات المالية كانت تتوقع محاولة السيطرة على أنفيف منذ سقوط كيدال وتيساليت في هجمات 25 أبريل، ولذلك جرى إعداد خطة تقوم على الحفاظ على القاعدة واستدراج المهاجمين إلى منطقة مفتوحة تسمح باستخدام التفوق الجوي بكفاءة أكبر.وقال إن الجماعات المسلحة اعتقدت أن انسحاب الجيش من كيدال وتيساليت يمثل حالة ضعف، فدفعت بمعظم قواتها وآلياتها الثقيلة نحو أنفيف، إلا أن ذلك منح القوات المسلحة فرصة لمواجهتها بصورة مباشرة واستهدافها بضربات جوية وبرية مكثفة.وأكد رئيس الأركان أن المعركة استمرت أكثر من عشرين ساعة من القتال المتواصل، قبل أن تتمكن القوات المالية من فك الحصار المفروض على القاعدة وإيصال قافلة الإمدادات القادمة من غاو إلى القوات الموجودة داخلها، مضيفاً أن الوضع في أنفيف أصبح اليوم “تحت السيطرة الكاملة”، فيما لا تزال عمليات التمشيط والملاحقة مستمرة في محيط المنطقة.وكشف الجنرال داو أن الجماعات المسلحة أظهرت خلال هذه المعارك قدرات عسكرية غير مسبوقة، تمثلت في استخدام مدرعات قتالية، ومدافع مضادة للطائرات، وأسلحة مضادة للدروع، ومدفعية بعيدة المدى، إلى جانب أعداد كبيرة من الطائرات المسيّرة، بما فيها المسيّرات الانتحارية التي استخدمت لاستهداف القوات وقوافل الإمداد.واعتبر أن هذا التطور في مستوى التسليح يؤكد أن الجماعات المسلحة تلقت دعماً مكّنها من إعادة بناء جزء كبير من قدراتها العسكرية خلال فترة قصيرة، مشيراً إلى أن ما تم تدميره في هجمات 25 أبريل أعيد تعويضه بسرعة، وهو ما اعتبره دليلاً على حصولها على دعم خارجي، من دون أن يقدم تفاصيل إضافية حول الجهات التي تقف وراء ذلك.وفي معرض حديثه عن نتائج العمليات، أكد رئيس هيئة الأركان أن القوات المسلحة المالية تمكنت منذ الرابع من يوليو من تحييد أكثر من ألف إرهابي، وتدمير 14 مدرعة قتالية، و24 مركبة مزودة بأسلحة ثقيلة، بينها منصات مضادة للطائرات، إضافة إلى تدمير نحو 30 مركبة تكتيكية كانت تستخدم في نقل المقاتلين والأسلحة، وأكثر من 300 دراجة نارية اعتمدت عليها الجماعات المسلحة في التنقل والمناورة، فضلاً عن تدمير كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر والمعدات اللوجستية.وفي المقابل، أعلن أن القوات المسلحة المالية فقدت خلال المعارك نحو ثلاثين جندياً، بينما أصيب حوالي ستين آخرين بجروح متفاوتة، بينهم حالات وُصفت بالخطيرة، مقدماً تعازيه لعائلات القتلى ومتمنياً الشفاء العاجل للمصابين.وأوضح أن أهمية أنفيف لا تقتصر على بعدها العسكري، بل تمتد إلى موقعها الجغرافي الذي يتحكم في أحد أهم المحاور الصحراوية الرابطة بين غاو وكيدال، كما تشكل نقطة عبور رئيسية نحو الحدود الشمالية، وهو ما جعلها هدفاً أساسياً لتحالف الجماعات المسلحة الساعي إلى توسيع نطاق سيطرته بعد أحداث أبريل.وأكد الجنرال داو أن الجيش المالي تمكن خلال العملية من تدمير جزء كبير من القدرات القتالية التي دفعت بها الجماعات المسلحة إلى المعركة، معتبراً أن هذه الخسائر ستحد من قدرتها على تنفيذ عمليات واسعة مماثلة خلال الفترة المقبلة.وشدد رئيس الأركان على أن العمليات العسكرية لم تنته بعد، وأن القوات المسلحة المالية تواصل عمليات التمشيط والملاحقة والغارات الجوية في محيط أنفيف وعلى مختلف مسارح العمليات، مؤكداً أن الهدف هو منع الجماعات المسلحة من إعادة تنظيم صفوفها أو استعادة قدراتها.وفي ما يتعلق بمدينة كيدال، أكد أن استعادتها تبقى هدفاً ثابتاً للقوات المسلحة المالية، مشدداً على أن المدينة، شأنها شأن جميع الأراضي المالية، ستظل جزءاً لا يتجزأ من الدولة، وأن العمليات الحالية تأتي ضمن خطة عسكرية طويلة الأمد لاستعادة السيطرة الكاملة على شمال البلاد.واختتم رئيس هيئة الأركان تصريحاته بالتأكيد على أن الجيش المالي سيواصل العمل مع شركائه، وفي مقدمتهم الفيلق الإفريقي الروسي، لملاحقة الجماعات المسلحة حتى آخر معاقلها، مشيراً إلى أن معركة أنفيف تمثل، من وجهة نظر القيادة العسكرية، منعطفاً مهماً في مسار العمليات بعدما أدت إلى استنزاف جزء كبير من القوة الضاربة لتحالف الجماعات المسلحة وإفشال محاولته تغيير موازين القوى في أقصى شمال مالي.
تقرير-حسن يوسف زرما
