تقرير حسن يوسف زرما
في ظل التحولات الأمنية المتسارعة التي تشهدها منطقة الساحل، لم تعد تجارة المخدرات والمؤثرات العقلية مجرد ظاهرة إجرامية محدودة، بل أصبحت جزءًا من منظومة تهريب معقدة تستفيد من ضعف الرقابة على المساحات الحدودية الشاسعة، وتداخل طرق التجارة المشروعة مع المسارات غير القانونية.
وفي هذا السياق، تأتي العملية الأمنية الأخيرة التي نفذتها فرقة المكتب المركزي لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية (OCRTIS) في دكورو بمنطقة مرادي وسط النيجر، لتسلط الضوء على طبيعة نشاط شبكات تهريب قد تتجاوز حدود المنطقة، وتعمل ضمن مسارات إقليمية أوسع.
ففي 19 يوليو/تموز 2026، تمكنت المصالح الأمنية، بعد استغلال معلومات استخباراتية وتنفيذ عملية شراء وهمية، من توقيف شخصين، من بينهما امرأة تحمل الجنسية النيجرية، أثناء محاولة تسليم شحنة من المواد المخدرة والمؤثرات العقلية في منطقتي كورناكا وكوران، بينما تستمر عمليات البحث عن شخصين آخرين يشتبه بتورطهما في الشبكة.
وكانت المضبوطات لافتة من حيث تنوعها وكميتها، حيث شملت 20 كيلوغرامًا من القنب الهندي، ومئات الأقراص من الترامادول، إضافة إلى آلاف الأقراص من إكسول وديازيبام، وهي مواد تحمل مخاطر كبيرة بسبب إمكانية إساءة استخدامها وانتشارها بين فئات مختلفة من المستهلكين.
من التهريب المحلي إلى شبكات الإمداد الإقليمية
رغم أن التحقيقات الأولية لم تكشف بعد المصدر الحقيقي للشحنة أو الجهات التي تقف خلفها، فإن طبيعة المواد المضبوطة تعطي مؤشرات على أن الأمر قد لا يتعلق بمروجين محليين فقط، بل ربما بحلقة ضمن سلسلة إمداد أكثر تنظيمًا.
فالجمع بين القنب الهندي والأدوية المخدرة بكميات كبيرة يوحي بوجود مراحل متعددة تبدأ من المصدر، مرورًا بالنقل والتخزين، وانتهاء بالتوزيع المحلي.
وتعتمد شبكات التهريب في منطقة الساحل عادة على مرونة عالية في الحركة، حيث تقوم بتغيير طرقها باستمرار، واستخدام وسطاء محليين، والاعتماد على وسائل نقل مدنية لتجنب لفت الانتباه.
لماذا دكورو؟
يمنح الموقع الجغرافي لدكورو أهمية خاصة بالنسبة لحركة التجارة والنقل داخل النيجر، فهي تقع ضمن منطقة تتقاطع فيها طرق تربط بين مناطق جنوب البلاد ووسطها، ما يجعلها قابلة للاستخدام كنقطة عبور أو توزيع.
وقد تصل مثل هذه الشحنات عبر عدة سيناريوهات، من بينها:
1/نقلها عبر الحدود البرية مع دول الجوار ضمن شحنات صغيرة أو مخفية داخل مركبات مدنية.
2/استغلال الطرق التجارية التقليدية التي تربط الأسواق المحلية.
3/تخزين المواد في نقاط وسيطة قبل توزيعها على مناطق أخرى.
4/الاعتماد على شبكات من الوسطاء بدل وجود هيكل مركزي مكشوف.
البعد الإقليمي لشبكات التهريب
تكمن خطورة هذه الأنشطة في أن تجارة المخدرات في الساحل لم تعد منفصلة عن بقية أشكال الجريمة المنظمة العابرة للحدود.
ففي العديد من مناطق الساحل وغرب أفريقيا، تتقاطع شبكات المخدرات مع أنشطة أخرى مثل تهريب الأسلحة، وغسل الأموال، والهجرة غير النظامية، وأحيانًا مع شبكات تستفيد من الفوضى الأمنية لتمويل أنشطتها.
ومع ذلك، لا توجد حتى الآن معلومات مؤكدة تربط شبكة دكورو بشكل مباشر بجماعات مسلحة أو تنظيمات إرهابية، ويظل هذا الاحتمال بحاجة إلى أدلة وتحقيقات رسمية.
تطور أساليب مكافحة المخدرات في النيجر
تكشف هذه العملية عن اعتماد الأجهزة الأمنية بشكل متزايد على العمل الاستخباراتي بدل الاقتصار على نقاط التفتيش والعمليات التقليدية.
فاستخدام أسلوب الشراء الوهمي يشير إلى محاولة الوصول إلى حلقات التوزيع والوسطاء، وليس فقط ضبط الأشخاص الموجودين في نهاية السلسلة.
كما أن نجاح العملية بعد استغلال معلومات مسبقة يعكس أهمية تطوير التعاون بين وحدات الأمن وجمع المعلومات حول شبكات التهريب وتحركاتها.
الساحل.. ممر استراتيجي للتهريب
تواجه دول الساحل تحديًا مزدوجًا؛ فمن جهة تحاول مكافحة الجماعات المسلحة، ومن جهة أخرى تواجه تمدد شبكات الجريمة المنظمة التي تستغل الظروف الأمنية والجغرافية المعقدة.
فالحدود الطويلة، وقلة الموارد البشرية والتقنية، ووجود مناطق نائية واسعة، كلها عوامل تمنح شبكات التهريب مساحة للحركة وإعادة تنظيم نفسها.
و من هنا يتضح أن عملية دكورو ليست مجرد ضبط كمية من المخدرات، بل مؤشر جديد على طبيعة التحديات الأمنية التي تواجه النيجر ومنطقة الساحل عمومًا.
فالتحقيقات القادمة ستكون حاسمة في كشف مصدر هذه الشحنة، ومسارات دخولها، وهوية الشبكة التي تقف خلفها، وما إذا كانت العملية تمثل نشاطًا محدودًا أو جزءًا من منظومة تهريب إقليمية أكثر اتساعًا.
وفي ظل تصاعد الجريمة المنظمة في الساحل، أصبحت مواجهة المخدرات والمؤثرات العقلية جزءًا من معركة أمنية أكبر تتطلب تعاونًا إقليميًا وتبادلًا للمعلومات بين دول المنطقة.
