دخلت المواجهات بين إيران وأمريكا في الشرق الأوسط مرحلة أكثر تعقيدًا. يستمر تبادل ضربات محدودة نوعاً ما بين الطرفين 11 يوماً على التوالي. ليلة اليوم انتشرت تقارير تفيد بوقوع انفجارات في طهران للمرة الأولى منذ انتهاء الحرب بداية العام. فيما تصعد إيران من ردودها العسكرية وتستهدف بشكل ممنهج منظومة الدفاع الأمريكية في المنطقة.
إيران: منظومة غير مسبوقة
لا بد من الإشارة إلى تطور لافت وقع خلال الأيام الأخيرة. فقد ظهرت منظومة صاروخية إيرانية غير مسبوقة استُخدمت للمرة الأولى في استهداف قواعد عسكرية أمريكية. من بين الأهداف التي تم قصفها قاعدتا الأزرق والعقبة في الأردن. وتمت إصابة الأهداف بدقة، كما لم يتم اعتراض الصواريخ. ويُنظر إلى هذا التطور على أنه أخطر تحول عسكري منذ اندلاع المواجهة الحالية. فكشف عن قدرات لم تكن معروفة من قبل في الترسانة الإيرانية.
ينبغي التأكيد أن أهمية هذه المنظومة لا تقتصر على قدرتها التدميرية أو سرعتها الفائقة أو قدرتها على المناورة الذكية للتهرب من الدفاعات الجوية وإرباك منظومات الاعتراض، بما فيها القبة الحديدية. تمتد أهميتها إلى الرسالة الاستراتيجية التي حملها استخدامها لأول مرة إلى واشنطن وتل أبيب. فحوى الرسالة هو أن إيران تمتلك قدرات ردع ومفاجآت عسكرية لم تكشف عنها بعد.
خسائر وإرباك لدى واشنطن
إضافة إلى ذلك، تعزز هذا الانطباع بسقوط قتلى من الجنود والضباط الأمريكيين، وما أعقب الضربات من حالة ارتباك داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية ترافقت مع عمليات إجلاء للمصابين، والبحث السريع عن مواقع أكثر أمنًا لنقل المعدات العسكرية التي لم يكن متوقعًا أن تصبح ضمن دائرة الاستهداف بهذا الحجم.
ويستند هذا التصور إلى ما يُعد إقرارًا أمريكيًا بأن الضربات كشفت عن سلاح مختلف. ومما لا شك فيه أنه أربك مراكز التقدير العسكري الأمريكية بعد إخفاق منظومات الاعتراض في التعامل معه بالفعالية المتوقعة.
صحيح أن الجانب الأمريكي يوجه ضربات قوية لخصمه الإيراني. كما من المرجح أن يشن عمليات قصف أكبر في الأيام القادمة. إلا أن الحديث لا يدور حول صاروخ جديد فقط. فحسب تقديرات المراقبين، يتمثل جوهر الأمر في ظهور جيل جديد من أسلحة الردع.
توقيت التحول
ناهيك عن ذلك، يأتي هذا التحول في توقيت بالغ الدلالة. فأعلنت الإدارة العسكرية الأمريكية عن وجود نقص في المعدات والذخائر واستنفاد عدد من منظومات الدفاع. وفي ضوء هذه الظروف، يمنح إدخال هذا السلاح أثرًا عسكريًا ونفسيًا مزدوجًا. ومن شأن هذا الأثر أن يضع القيادة الأمريكية أمام معضلة لوجستية متفاقمة في إدارة الحرب.
كما لا يقتصر تأثير هذا التطور على الساحة الإيرانية. فيفتح الباب أمام تساؤلات مهمة: هل بقيت هذه التكنولوجيا حكرًا على إيران أم أنها انتقلت أيضًا إلى حلفائها في المنطقة؟ ومن هنا يبرز السؤال حول احتمال وصولها إلى لبنان أو صنعاء بهذه الطريقة أو بأخرى.
ويمتد هذا التصور إلى ما هو أبعد من ساحات القتال الحالية. فيثير احتمال دخول أهداف استراتيجية داخل إسرائيل ضمن مدى هذه المنظومة الصاروخية. وفي مقدمتها مطار بن غوريون، والموانئ، والمنشآت الصناعية، ومراكز الطاقة في ساحل حيفا. ومجرد احتمال امتلاك هذه القدرة يفرض معادلة ردع جديدة ويثير قلقًا متزايدًا داخل إسرائيل نفسها. فالخطر لن يقتصر على الخسائر العسكرية فقط. سيمتد إلى تعطيل الاقتصاد، وشل حركة الطيران، وإرباك الموانئ والمرافق الحيوية، وإحداث تأثير نفسي واستراتيجي يتجاوز بكثير أثر الضربات التقليدية.
الخلاصة
بغض النظر عن المسار الذي ستسلك به الأحداث في نهاية المطاف، لا بد من الإشارة إلى الآتي. المواجهة تزداد تعقيداً على الطرفين معاً. وليس مستبعداً أن تكون هناك عوامل مفاجأة أخرى كذلك. أما الشيء الواضح، فهو أن القتال لن يستمر بالنمط الحالي. ففي حال عدم التوصل لاتفاق حقيقي، سيأخذ طابعاً أكثر قسوة ونطاقاً أوسع من الحرب الأخيرة عاجلاً أم آجلاً.
نقلاً عن صحيفة براون لاند السودانية
