تثير شهادة النقيب روجي غابرييل، بشأن الأحداث التي شهدتها نيامي ليلة 28 إلى 29 أغسطس/آب 2026، أسئلة تتجاوز مجرد تفاصيل المحاولة الانقلابية، لتصل إلى طبيعة الاتصالات الخارجية التي قال إنه تلقاها، والجهات التي يُعتقد أنها كانت تسعى إلى التأثير في مسار الأحداث.
وبحسب الشهادة المتداولة، أوضح غابرييل أنه لم يكن موجودًا داخل القاعدة الجوية 101 أثناء بداية الأحداث، وإنما كان في موقع آخر، قبل أن يتلقى اتصالات ويجري اتصالات مع عدد من المسؤولين للاستفسار عن الوضع. وقال إن بعضهم أبلغه بوجود خلاف بين وحدته والحرس الرئاسي، وأن عناصر من تلك الوحدة ستتوجه إلى مقرهم.
الأكثر إثارة في شهادته كان حديثه عن اتصالات خارجية، بينها اتصال قال إنه جاء من شخص في تشاد، أبلغه بأن قوات فرنسية ستتدخل لمساعدة المتمردين عبر الأراضي التشادية. كما تحدث عن أرقام قال إنها اتصلت به من بنين وساحل العاج، وعن استعداد مزعوم للإيكواس للمشاركة في مواجهة عسكرية، إضافة إلى تواصل قال إنه جاء من أحد أفراد عائلة الرئيس السابق محمد بازوم.
لكن من منظور أمني واستخباراتي، فإن هذه الشهادة تحتاج إلى تفكيك دقيق قبل تحويلها إلى دليل على تورط دول أو حكومات.
الاتصال الخارجي لا يساوي تلقائيًا تورط الدولة
أهم قاعدة في تحليل الاتصالات الاستخباراتية هي التمييز بين مصدر الاتصال، وهوية المتصل، والصفة التي تحدث بها، والجهة التي يمثلها فعليًا.
فكون رقم هاتف يحمل رمزًا تشاديًا أو فرنسيًا أو بنينيًا لا يعني بالضرورة أن الاتصال صادر عن مؤسسة رسمية في تلك الدولة. وحتى معرفة هوية المتصل لا تكفي وحدها لإثبات أن ما قاله يعكس قرارًا حكوميًا أو عسكريًا.
ولهذا فإن السؤال الأهم ليس: هل تلقى غابرييل اتصالات من الخارج؟
إذا ثبتت سجلات هاتفه، فالإجابة يمكن التحقق منها بسهولة.
السؤال الحقيقي هو:
من كان وراء هذه الاتصالات؟ وهل كانت المعلومات التي نُقلت إليه صحيحة، أم كانت محاولة متعمدة للتضليل والتأثير في قراره؟
وهنا تظهر نقطة بالغة الأهمية في تقييم الشهادة.احتمال أن يكون الضابط نفسه هدفًا للاستغلال، ليس من الضروري أن يكون غابرييل جزءًا من المؤامرة حتى تكون الاتصالات التي تلقاها جزءًا منها.بل هناك سيناريو استخباراتي آخر أكثر تعقيدًا: أن يكون الضابط قد تم استهدافه باعتباره عنصرًا مؤثرًا في الميدان، وأن يكون المتصل قد حاول دفعه إلى اتخاذ موقف معين من خلال تزويده بمعلومات عن تدخل خارجي وشيك.في هذه الحالة، قد يكون الضابط صادقًا تمامًا عندما يقول:”اتصل بي شخص وقال لي إن قوات فرنسية ستتدخل.”
لكن هذا لا يعني أن القوات الفرنسية كانت بالفعل تستعد للتدخل. فالمعلومة قد تكون صحيحة، أو خاطئة، أو مبالغًا فيها، أو جزءًا من عملية تضليل. وهذا الاحتمال مهم جدًا، لأن العمليات السياسية والعسكرية لا تعتمد دائمًا على إقناع الشخص بالمشاركة؛ أحيانًا يكفي إقناعه بأن ميزان القوى قد حُسم حتى يتخذ القرار الذي يخدم الجهة التي تحاول التأثير فيه.
أين تبدأ المشكلة في الرواية؟، المشكلة تبدأ عندما تنتقل الرواية من مستوى تلقيت اتصالًا من شخص في تشاد إلى تشاد كانت جزءًا من مخطط للتدخل. ثم إلى فرنسا كانت تستعد للتدخل عسكريًا عبر تشاد. ثم إلى الإيكواس كانت مستعدة لدخول الحرب.كل انتقال من هذه المستويات يحتاج إلى أدلة إضافية مستقلة. وفي العمل الاستخباراتي، لا يمكن بناء استنتاج استراتيجي كبير على مصدر واحد مهما كانت أهمية موقعه.
المطلوب هو التثليث الاستخباراتي، أي مطابقة المعلومة مع مصادر مستقلة: سجلات الاتصالات، التحركات العسكرية، المعلومات البشرية، صور الأقمار الصناعية، حركة الطيران، البيانات الرسمية، أو شهادات أخرى مستقلة.
ماذا عن فرنسا وتشاد؟
إذا كان الادعاء هو أن قوات فرنسية كانت بالفعل تستعد للتدخل في النيجر عبر تشاد، فإن هذا ادعاء كبير جدًا. فالتحرك العسكري الفرنسي بهذا الحجم لن يكون مجرد اتصال هاتفي. مثل هذا السيناريو يحتاج إلى ترتيبات لوجستية، تحركات أفراد ومعدات، استخدام محتمل للمطارات أو المنشآت العسكرية، تنسيق سياسي وعسكري، واتصالات متعددة المستويات.
وبالتالي فإن أفضل طريقة للتحقق من الرواية ليست البحث عن مكالمة واحدة، وإنما البحث عن البصمة العملياتية التي يفترض أن يتركها مثل هذا المخطط. إذا لم توجد هذه البصمة، فإن فرضية التدخل العسكري تصبح أضعف.أما إذا ظهرت مؤشرات مستقلة متزامنة مع الاتصالات، فإن قيمة شهادة غابرييل ترتفع بصورة كبيرة.
بنين وساحل العاج والإيكواس:-
الأمر نفسه ينطبق على الاتصالات التي قال غابرييل إنها جاءت من بنين وساحل العاج، وعلى حديثه عن استعداد الإيكواس للتدخل.
من الناحية السياسية، لا يمكن استبعاد أن تكون هناك اتصالات أو محاولات لجمع المعلومات خلال أزمة عسكرية داخل دولة مجاورة.
لكن هناك فرقًا بين جمع المعلومات والتواصل السياسي وبين التحضير لتدخل عسكري.
والفاصل بينهما هو الأدلة.:-
فإذا كانت الإيكواس تستعد فعلًا للحرب، فمن المتوقع ظهور مؤشرات على مستوى التخطيط والتحرك واللوجستيات، وليس مجرد اتصالات هاتفية مع ضابط واحد.
لماذا قد يكون غابرييل مهمًا رغم ذلك؟
قيمة شهادة غابرييل لا تكمن بالضرورة في أنها تثبت المؤامرة الخارجية، وإنما في أنها قد تكشف شبكة الاتصالات التي أحاطت بالمحاولة الانقلابية. وهذا أمر بالغ الأهمية ، فالتحقيق الحقيقي يجب أن يبدأ من سجلات الهاتف، من اتصل بمن؟، متى؟، كم استغرقت المكالمات؟
هل تكررت الاتصالات ، هل كانت الأرقام جديدة أم كانت هناك علاقة سابقة؟، هل ظهرت اتصالات متزامنة بين هذه الأرقام وأشخاص آخرين داخل المؤسسة العسكرية؟، وهل تزامنت المكالمات مع تحركات ميدانية؟ إذا أمكن الإجابة عن هذه الأسئلة، فقد تتحول الشهادة من رواية سياسية إلى مادة استخباراتية قابلة للتحقق.
الجزائر تدخل المعادلة:-
في السياق الإقليمي الجديد، تزداد حساسية هذه القضية بسبب موقع الجزائر وعلاقتها بالنيجر ودول تحالف دول الساحل.فأي تدخل عسكري خارجي محتمل في النيجر لن يُنظر إليه باعتباره أزمة داخلية نيجيرية فقط، بل باعتباره مسألة أمن إقليمي. وهنا يصبح عامل تحالف دول الساحل مهمًا: أي تدخل عسكري مباشر ضد النيجر يمكن أن يؤدي إلى توسيع نطاق الأزمة، خصوصًا إذا اعتبرت مالي وبوركينا فاسو أن أمن النيجر جزء من أمن التحالف نفسه. ومن هنا يمكن فهم سبب ارتفاع الحساسية تجاه أي حديث عن تدخل خارجي.
الاستنتاج الاستراتيجي:-
حتى هذه اللحظة، يجب التعامل مع شهادة روجي غابرييل باعتبارها معلومة استخباراتية أولية وليست حكمًا قضائيًا على تورط دول أجنبية. قد يكون الضابط صادقًا فيما يتعلق بالاتصالات التي تلقاها ، وقد يكون المتصلون فعلًا مرتبطين بجهات سياسية أو عسكرية خارج النيجر، وقد تكون الاتصالات جزءًا من محاولة حقيقية لدعم الانقلاب.لكن هناك احتمالًا آخر لا يقل أهمية: أن يكون بعض المتصلين قد حاولوا تضليل الضابط أو استغلال موقعه، بهدف دفعه إلى اتخاذ قرار يخدم جهة معينة.ولهذا فإن وصف غابرييل بأنه “كاذب” سيكون متسرعًا، كما أن اعتبار شهادته دليلًا قاطعًا على تورط تشاد وفرنسا وبنين وساحل العاج سيكون متسرعًا بالقدر نفسه.
المعيار الحقيقي هو الأدلة القابلة التحقيق فالأسئلة التي يجب أن تطرحها أجهزة التحقيق ليست فقط: “ماذا قال غابرييل؟”، وإنما:
من اتصل به؟
ومن يقف خلف تلك الأرقام؟
وماذا كانت مصلحته في الاتصال؟
وهل تطابقت المعلومات التي نقلها مع تحركات عسكرية حقيقية على الأرض؟
إذا لم تتطابق، فقد نكون أمام عملية تضليل استخباراتي.
أما إذا تطابقت الاتصالات مع تحركات عسكرية ولوجستية وسياسية مستقلة، فإن شهادة الضابط قد تصبح واحدة من أهم الخيوط لفهم ما جرى في نيامي ليلة 28 إلى 29 أغسطس.
وفي الحالتين، فإن القضية أكبر من مجرد محاولة انقلاب فاشلة؛ إنها اختبار جديد لقدرة دول الساحل على حماية فضائها الأمني من التدخل الخارجي، والحرب السياسية، والعمليات الاستخباراتية غير المباشرة.
بقلم-حسن يوسف زرما
