1/ سياسة الدولة تجاه الذهب (الإنتاج، الشراء، التكرير، والتصدير)
أ. حجم الإنتاج الصناعي وهيكليته:-
الإنتاج الصناعي (2022 – 2024): وفقاً لبيانات وزارة الطاقة والمناجم البوركينابية وتقارير مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية (EITI) بلغ الإنتاج الصناعي الرسمي ذروته في 2021 بنحو 66.8 طناً، لينخفض في عام 2022 إلى 57.6 طناً.
استمر التراجع في عام 2023 ليسجل حوالي 51.3 إلى 52.5 طناً. و سبب التراجع هو تعليق وتوقف العمليات في عدة مناجم رئيسية نتيجة الهجمات والتحديات الأمنية؛ حيث أعلنت شركة نورد قولد Nordgold الروسية تعليق العمل في منجم تباركو Taparko (أبريل 2022) لـدواعي القوة القاهرة”، يليه إغلاق مناجم حرفية وصناعية صغرى مثل بونقو Boungou و يوقا Youga وNetiana. نيشانا .
أبرز المشغلين: تهيمن الشركات الأجنبية على التعدين الصناعي، وأبرزها شركة Endeavour Mining الكندية التي تدير مناجم ضخمة مثل هونداي Houndé و مانا Mana، وشركة West African Resources الأسترالية منجم Sanbrado.
ب. الشراء واحتكار الدولة .تأسيس SONASP واقتطاعات السيادة.( إعادة هيكلة الشراء):-
أصدرت الحكومة الانتقالية برئاسة النقيب إبراهيم تراوري مرسوماً في أغسطس 2023 ينظم عمل “الشركة الوطنية للمواد النفيسة” (SONASP – ، وهي الوريث الشرعي لهيئة (ANEB). تم منح SONASP الحصرية القانونية لشراء الذهب الحرفي والشبه صناعي لتجميع المخزون الوطني.
مصادرة واقتطاع الذهب لصالح الخزينة:-
في فبراير 2023، صادرت السلطات رسمياً 200 كيلوغرام من الذهب من منجم مانا Mana المملوك لشركة Endeavour Mining، مبررة ذلك بـ “الضرورة الوطنية واستخدام حق الاستعادة بموجب المادة 16 من قانون التعدين”.في نوفمبر 2023، تم اقتطاع شحنة أخرى بنحو 300 كيلوغرام من مناجم مختلفة لدعم الاحتياطي الاستراتيجي بالبنك المركزي لدول غرب أفريقيا (BCEAO).
ج. التكرير المحلي وقيمة المضافة:-
وضع حجر الأساس لأول مصفاة وطنية: في 23 نوفمبر 2023، دشن رئيس المرحلة الانتقالية إبراهيم تراوري أفران التأسيس لأول مصفاة ذهب وطنية في العاصمة واغادوغو في المنطقة الصناعية بوبو ديولاسو / واغادوغو.
الطاقة الاستيعابية والهدف:-
القدرة: صُممت المصفاة لتكرير 150 طناً سنوياً بنقاء يصل إلى 99.99% درجة سبيكة التداول الدولي .
الهدف الاستراتيجي: حظر تصدير الذهب الخام بالكامل، وتحويل بوركينا فاسو من بلد مصدر للذهب سبائك غير مكررة إلى مركز إقليمي لتكرير ذهب دول الجوار، والاحتفاظ بـ 100% من معادن الفضة والبلاتين المصاحبة التي كانت تُصدر مجاناً ضمن السباك الخام.
2/ التعدين التقليدي والتهريب (الحجم، الأسباب، والمسارات)
أ. حجم التعدين الحرفي .
1- القوى العاملة والمواقع: تشير بيانات منظمة العمل الدولية (ILO) وتقرير معهد السلام الأمريكي (USIP) لعام 2023 إلى وجود ما بين 800 إلى 1000 موقع تعدين حرفي ينشط فيها 1.2 إلى 1.5 مليون شخص بشكل مباشر وغير مباشر.
2- الإنتاج الحرفي الحقيقي : يُقدر الإنتاج السنوي التجميعي للقطاع الحرفي ما بين 15 إلى 30 طناً سنوياً.
3- المسجل رسمياً: لا يصل لمكاتب SONASP الرسمية سوى نسبة لا تتجاوز 1% إلى 3% بين 200 كجم إلى 500 كجم سنوياً فقط، بينما يتسرب الباقي كلياً خارج قنوات الدولة.
ب. أسباب الفجوة والتسرب:-
1. فوارق الأسعار والسيولة: يدفع المشترون غير الشرعيين قيم الذهب كاش وبأسعار تطابق سعر بورصة لندن أو أعلى بنسبة بسيطة لغسل أموال، بينما تفرض الدولة رسوماً واقتطاعات وتدفع بعملة محلية.
2. غياب أمن الدولة في الأطراف: وقوع مئات المناجم في أقاليم,الشرق ، الساحل ، بوكل دو موهون تحت سيطرة الجماعات المسلحة تحديداً جماعة نصرة الإسلام والمسلمين JNIM)، حيث تفرض حماية مقابل “إتاوات وزكاة” تعادل 10% إلى 15% من الإنتاج.
ج. خريطة مسارات التهريب الموثقة:-
الوجهة الرئيسية: دبي (الإمارات)
1. المسار الجوي المباشر (واغادوغو – دبي):
يتم التهريب عبر الذهب المصحوب بالأيدي على متن رحلات تجارية متجهة من مطار واغادوغو إلى دبي. حيث كشفت تقارير مجموعة العمل المالي لمنطقة غرب أفريقيا (GIABA) في تقريرها الصادر أواخر 2023 أن ثغرات التفتيش والتواطؤ في المطار تتيح نقل كميات تصل إلى عشرات الكيلوغرامات في الحقائب الفردية بدون إقرارات جمركية.
2. المسار البري الإقليمي (تبييض المنشأ):
يتم نقل الذهب عبر الحدود البرية الجنوبية والشرقية نحو توغو عبر معبرسينكاسي Cinkassé، والى بنين، وساحل العاج. و تُظهر بيانات التجارة الخارجية للأمم المتحدة (UN Comtrade) أن دولاً مثل توغو تُصدر سنوياً ما بين 15 إلى 20 طناً من الذهب إلى الأسواق الدولية، على الرغم من أن إنتاجها الوطني الرسمي يقل عن 1 طن؛ حيث يعمل تجار لومي كمنصة لتغيير منشأ الذهب المهرب من بوركينا فاسو وتصديره بأوراق رسمية توغولية.
3. الفجوة بين الإنتاج والصادرات (أين تذهب المبالغ؟)
أ. حجم الفجوة المالية والإحصائية:-
حجم التسرب:- تُقدر الفجوة بين الإنتاج الكلي الحقيقي (صناعي + حرفي) والصادرات المسجلة رسمياً لدى الجمارك البوركينابية بـ 15 إلى 25 طناً سنوياً.
القيمة المالية:- بناءً على متوسط سعر أونصة الذهب، تعادل هذه الفجوة خسائر مباشرة للخزينة العامة تتراوح بين 1.2 إلى 1.8 مليار دولار سنوياً.
ب. خريطة المستفيدين ونقاط التسرب
1. تمويل الجماعات المسلحة :- تؤكد تقارير معهد الدراسات الأمنية (ISS Africa) الصادرة في 2023 أن شبكات JNIM تسيطر على مساحات تعدين في منطقتي “سيبي” و”أربيندا”، وتتحصل على مبالغ تُقدر بـ 25 إلى 35 مليون دولار سنوياً عبر الجباية المباشرة وإدارة مواقع تنقيب غير شرعية.
2. شبكات الجريمة المنظمة وغسيل الأموال:: يُستخدم الذهب المهرب كوسيلة تحويل مالي عابرة للحدود تلتف على العقوبات والمراقبة المصرفية لاستيراد البضائع والأسلحة.
3. التجار الوسطاء والملاذات التعدينية: الاستفادة القصوى تذهب إلى أسواق إعادة التدوير والتكرير في الخارج تحديداً مراكز التداول في دبي التي تعتمد معايير استيراد مرنة للذهب الحرفي المصحوب بالأيدي.
4. إجراءات الدولة لمكافحة التهريب واستعادة السيطرة
اصدرت السلطات الانتقالية حزمة قرارات تنظيمية وأمنية حاسمة بين 2023 و2024:-
1. إلغاء وتجميد التراخيص الخاصة: في فبراير 2024، أعلنت وزارة المناجم عن تعليق وإلغاء تراخيص تصدير الذهب الحرفي الممنوحة للمكاتب الخاصة، وحصر عملية شراء وتصدير الذهب الحرفي رسمياً في هيئة SONASP.
2. إلزامية شهادة المنشأ وتتبع الشحنات: فرض نظام التتبع الرقمي وشهادات المنشأ البيومترية المعمدة من SONASP لأي شحنة تنقل داخل البلاد.
3. تأسيس “الكتيبة القتالية لحماية المناجم”: إنشاء قوات خاصة تشمل عناصر من الجيش ومتطوعي الدفاع عن الوطن (VDP) لتأمين أطواق المناجم الصناعية وممرات نقل العتاد والمحاصيل التعدينية.
4. تعديل قانون التعدين : إدخال تعديلات تضمن رفع نسبة مساهمة الشركات الأجنبية في “صندوق التنمية المحلي” وتطبيق نسب إتاوات مجزية تتصاعد بتصاعد سعر الذهب العالمي.
5. دروس استراتيجية من التجربة المقارنة: نموذج غانا
تُعد تجربة غانا، بوصفها أكبر منتج للذهب في أفريقيا بإنتاج يتجاوز 130 طناً سنوياً، مرجعاً عملياً وحيوياً لبوركينا فاسو ودول الساحل في تنظيم قطاع الذهب ومكافحة التسرب المالي، حيث ارتكزت على آليتين رئيسيتين حققتا نتائج موثقة:
أ. سياسة “الذهب مقابل النفط” .
التطبيق والآلية:- دخلت هذه السياسة حيز التنفيذ في نوفمبر 2022، بقرار مشترك بين البنك المركزي الغاني وشركة تسويق المعادن الثمينة. ألزمت الآلية شركات التعدين الحرفي والمناجم ببيع نسبة محددة من إنتاجها المباشر للبنك المركزي بالعملة الوطنية (السيدي الغاني). الهدف الاستراتيجي منه استغلال الذهب المجمع لبناء احتياطي استراتيجي يُستخدم لمقايضة المشتقات النفطية والمحروقات وتسديد قيمتها مباشرة من الأسواق الدولية دون الحاجة لاستنزاف احتياطي البلاد من الدولار الأمريكي.
النتائج الموثقة (2023 – 2024):-
نجح البنك المركزي الغاني في شراء واستحواذ أكثر من 7.4 طن من الذهب لدعم الاحتياطي الوطني حتى منتصف عام 2023. أسهمت هذه الآلية في خفض الضغط على سعر صرف “السيدي”، مع توفير نحو 4.8 مليار دولار كانت تُخصص سنوياً لاستيراد الوقود بالعملة الصعبة.
ب. حصرية التقييم والختم الرقمي .
فرضت غانا إطاراً رقابياً صارماً أصبحت بموجبه “شركة شراء المعادن الثمينة” (PMMC) الجهة الوطنية الوحيدة المخولة قانونياً بتقييم عيار الذهب وختمه رسمياً قبل خروجه عبر المنافذ الجوية، مما قلص عمليات التهريب الحرفي عبر مطار أكرا الدولي بنسبة تُقدر بنحو 40%.
خلاصة المؤشرات الموثقة لبوركينا فاسو (صياغة تحريرية):-
تظهر قراءة البيانات الخاصة ببوركينا فاسو تحولاً هيكلياً في قطاع التعدين، حيث تراجع الإنتاج الصناعي الرسمي من 57.6 طن في عام 2022 إلى ما بين 51.3 و52.5 طن في عام 2023 وفقاً لبيانات وزارة المناجم ومبادرة الشفافية (EITI). وفي المقابل، يُقدر الإنتاج الحرفي الحقيقي بما بين 15 إلى 30 طناً سنوياً بحسب تقارير منظمة العمل الدولية ومعهد السلام الأمريكي (USIP)، إلا أن المسجل منه رسمياً لدى هيئة (SONASP) لا يتجاوز 500 كيلوغرام سنوياً. هذا التباين الحاد خلف فجوة تهريب هائلة تتراوح بين 15 إلى 25 طناً سنوياً، بقيمة مالية تُقدر بـ 1.2 إلى 1.8 مليار دولار وفقاً لتقارير (GIABA) ومعهد الدراسات الأمنية (ISS Africa). وتُعد أسواق دبي (الإمارات) الوجهة الرئيسية لهذا الذهب المهرب، سواء عبر النقل الجوي المباشر أو الترانزيت البري عبر توغو، استناداً لبيانات الأمم المتحدة للتجارة (UN Comtrade) وتحقيقات منظمة التنمية الاقتصادية (OECD).
ولمواجهة هذا التسرب، اتجهت السلطات الانتقالية نحو توطين الصناعة عبر تدشين حجر الأساس لأول مصفاة وطنية للذهب في واغادوغو في نوفمبر 2023، بقدرة استيعابية تصل إلى 150 طناً سنوياً لضمان تصدير ذهب مكرر بنقاء عالٍ والحد من نزيف الموارد.
تقرير-مرسل براون لاند حسن زرما
