تواجه جمهورية الكونغو الديمقراطية واحدة من أخطر موجات تفشي فيروس إيبولا خلال السنوات الأخيرة، مع استمرار ارتفاع أعداد الإصابات والوفيات واتساع النطاق الجغرافي للوباء، الذي امتد إلى ثماني مقاطعات، وسط تحديات أمنية وإنسانية تعرقل جهود السلطات الصحية والمنظمات الدولية لاحتواء انتقال العدوى. وبحسب أحدث تحديث صادر عن المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها في 5 نوفمبر 2026، استناداً إلى البيانات الكونغولية حتى 3 نوفمبر، سجلت البلاد 10,668 إصابة مؤكدة و5,198 وفاة مرتبطة بالفيروس، فيما بلغ عدد المتعافين 2,881 شخصاً، وبلغ عدد المرضى الموجودين في مراكز العزل والعلاج 1,056 مريضاً. وتشير هذه الأرقام إلى معدل وفيات يبلغ نحو 48.7% من الإصابات المؤكدة، وهو مستوى مرتفع يعكس خطورة التفشي والضغوط التي تواجه النظام الصحي في المناطق المتضررة.
دقة الحصائل: التحقق من حصيلة الوفيات:-
أثار الرقم المتداول، البالغ 5,163 وفاة، تساؤلات بشأن دقة الحصيلة الفعلية للوباء، خصوصاً مع وجود اختلافات بين التقارير الصحية المتعاقبة. ففي 2 نوفمبر، نشرت وسائل إعلام، نقلاً عن وكالة أسوشيتد برس، بيانات للمعهد الوطني للبحوث الطبية الحيوية في الكونغو تشير إلى تسجيل 5,372 وفاة مقابل 10,414 إصابة مؤكدة حتى 30 أكتوبر، مع معدل وفيات بلغ 51.6%. وأوضحت السلطات أن الزيادة الكبيرة في حصيلة الوفيات ارتبطت بعملية مراجعة وتوحيد البيانات بين فرق معالجة المعلومات المحلية وفريق إدارة التفشي في مقاطعة إيتوري، وليس بحدوث موجة وفيات مفاجئة خلال يوم واحد. وفي المقابل، أظهرت التحديثات اللاحقة للمركز الأوروبي أرقاماً مختلفة، إذ بلغت الوفيات 5,126 في بيانات الأول من نوفمبر، ثم 5,198 في بيانات الثالث من نوفمبر.
وعليه، فإن رقم 5,163 لا يمثل أحدث حصيلة متاحة، كما لا يمكن التعامل مع رقم 5,372 باعتباره زيادة يومية فعلية؛ فالاختلافات مرتبطة جزئياً بعمليات مراجعة السجلات وتوحيد البيانات الوبائية.
حصيلة منطقة إيتوري وشمال كيفو في صدارة المناطق المتضررة:-
تتركز غالبية الإصابات والوفيات في مقاطعتي إيتوري وشمال كيفو شرقي البلاد، مع امتداد العدوى إلى مناطق أخرى.
وتظهر البيانات حتى 3 نوفمبر التوزيع التالي:
1- إيتوري: 7,485 إصابة و3,532 وفاة.
2- شمال كيفو: 2,593 إصابة و1,422 وفاة.
3- أوايلي العليا: 470 إصابة و208 وفيات.
4- تشوبو: 94 إصابة و29 وفاة.
5- أوايلي السفلى: 13 إصابة و4 وفيات.
6- أوبانغي السفلى: إصابتان ووفاة واحدة.
7- أوبانغي العليا: 8 إصابات ووفاة واحدة.
8- جنوب كيفو: 3 إصابات ووفاة واحدة.
وبذلك وصل التفشي إلى 67 منطقة صحية من أصل 178 منطقة موزعة على المقاطعات الثماني.
وتظل إيتوري المركز الأكبر للتفشي، إذ تستحوذ على الجزء الأكبر من الإصابات والوفيات، بينما تشهد شمال كيفو استمرار انتقال العدوى وارتفاع الحالات الجديدة.
وفي أحدث تحديث، سُجلت 62 إصابة جديدة و34 وفاة خلال الفترة التي تغطيها بيانات 3 نوفمبر، توزعت الإصابات الجديدة بين شمال كيفو وإيتوري وأوايلي العليا.
الانتشار خارج الحدود الكونغولية:-
لم يعد التفشي محصوراً داخل جمهورية الكونغو الديمقراطية، إذ ظهرت حالات مرتبطة بالفيروس في دول أفريقية أخرى، ما دفع السلطات الصحية إلى تعزيز إجراءات المراقبة الحدودية وتتبع المخالطين. ففي كينيا، سُجلت تسع إصابات مؤكدة وحالتا وفاة حتى 26 أكتوبر، وكانت الإصابات مرتبطة بحالة أولى انتقلت من الكونغو الديمقراطية عبر أوغندا.
وفي نيجيريا، أُعلنت إصابة مؤكدة في 20 أكتوبر لشخص كانت لديه رحلة سابقة من أوغندا، قبل نقله طبياً إلى سويسرا في 26 أكتوبر لتلقي العلاج المتخصص. وأُخضع المخالطون للمراقبة الصحية، وبلغ عددهم 62 شخصاً حتى 3 نوفمبر.أما أوغندا، التي شهدت سابقاً 20 إصابة مؤكدة وحالتي وفاة، فقد أعلنت انتهاء التفشي داخل أراضيها بعد مرور الفترة المطلوبة دون تسجيل إصابات جديدة، قبل أن تعلن منظمة الصحة العالمية انتهاءه في أغسطس 2026.
وتعكس هذه التطورات اتساع المخاطر المرتبطة بحركة السكان والتجارة والتنقل عبر الحدود، خصوصاً في منطقة البحيرات العظمى وشرق أفريقيا.
الإجراءات الحكومية والصحية لاحتواء التفشي:-
تعمل الحكومة الكونغولية بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية وشركاء دوليين على تنفيذ مجموعة من الإجراءات الصحية والميدانية، تشمل:-
أولاً: تعزيز أنظمة المراقبة الوبائية، وتوسيع عمليات اكتشاف الحالات المشتبه بها والتحقيق في الإصابات الجديدة، مع تكثيف العمل في المناطق التي تشهد انتقالاً مجتمعياً للعدوى.
ثانياً: تتبع المخالطين للأشخاص المصابين ومراقبتهم صحياً، بهدف اكتشاف الإصابات مبكراً ومنع انتقال العدوى إلى أسرهم والمجتمعات المحيطة.
ثالثاً: توسيع مراكز العزل والعلاج وتوفير الرعاية الطبية للمرضى، إلى جانب تعزيز إجراءات مكافحة العدوى وحماية العاملين الصحيين.
رابعاً: تكثيف حملات التوعية المجتمعية وإشراك القيادات المحلية والمتطوعين في الإبلاغ عن الحالات المشتبه بها، ومواجهة الشائعات والمخاوف التي قد تدفع الأسر إلى إخفاء المرضى أو تجنب المرافق الصحية. ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، جرى دعم نشر فرق متخصصة في علم الأوبئة والتنسيق الميداني، إلى جانب تدريب الكوادر الصحية وتعزيز قدرات الاستجابة المحلية. كما تشير بيانات المنظمة إلى نشر 680 متطوعاً مجتمعياً في 17 منطقة صحية بحلول 17 سبتمبر، ضمن جهود المراقبة المجتمعية وتتبع المخالطين. وعلى المستوى الإقليمي، تعمل الدول المجاورة على تعزيز الفحص والمراقبة عند نقاط العبور، وتبادل المعلومات الصحية، ومتابعة الأشخاص القادمين من المناطق المتأثرة.
غياب لقاح معتمد خاص بالسلالة وتحديات العلاج:-
تتمثل إحدى أبرز الصعوبات في أن التفشي الحالي ناجم عن فيروس إيبولا من سلالة بونديبوغيو وهي سلالة لا يتوفر لها حتى الآن لقاح مرخص أو علاج نوعي معتمد.
وتعتمد الرعاية الطبية الحالية على العلاج الداعم، بما يشمل تعويض السوائل والأملاح، ومراقبة وظائف الأعضاء، ومعالجة المضاعفات والأعراض المصاحبة للمرض. وفي تطور علمي مهم، أعلنت منظمة الصحة العالمية في 4 نوفمبر عن تقدم الأبحاث المتعلقة باللقاحات المرشحة، مع إدخال لقاحين مرشحين جديدين ضمن التجارب البحثية لمواجهة المرض.ويمثل هذا التطور خطوة مهمة، لكنه لا يعني توفر لقاح جاهز للاستخدام العام أو وجود وسيلة تحصين معتمدة ضد السلالة الحالية.
التحديات الأمنية والإنسانية:-
تواجه عمليات احتواء الوباء تحديات تتجاوز الإمكانات الطبية، خصوصاً في المناطق الشرقية التي تعاني من النزاعات المسلحة والنزوح وضعف البنية الصحية.وتؤدي حركة السكان بين القرى والمناطق المتضررة، إلى جانب صعوبة الوصول إلى بعض التجمعات السكانية، إلى تعقيد عمليات تتبع المخالطين والكشف المبكر عن الإصابات.كما تمثل الثقة المجتمعية عاملاً حاسماً في نجاح الاستجابة، إذ إن رفض بعض الأسر الإبلاغ عن الحالات أو التعاون مع الفرق الصحية قد يؤدي إلى استمرار انتقال العدوى خارج نطاق المراقبة الرسمية.
وتزيد هذه التحديات من صعوبة السيطرة على الوباء، خصوصاً مع استمرار تسجيل إصابات جديدة في سلاسل انتقال غير معروفة للفرق الصحية.
التقدير الصحي الحالي:-
يشير استمرار انتشار فيروس إيبولا في الكونغو الديمقراطية إلى أزمة صحية تتجاوز حدود الدولة، مع تزايد احتمالات انتقال العدوى عبر شبكات التنقل البشري والتجارة والحدود المفتوحة في منطقة البحيرات العظمى ووسط أفريقيا.وتكمن الخطورة الأساسية في اجتماع ثلاثة عوامل: ارتفاع معدل الوفيات، واتساع النطاق الجغرافي للتفشي، وضعف القدرة على تتبع جميع سلاسل انتقال العدوى.كما أن عدم توفر لقاح معتمد خاص بسلالة بونديبوغيو يضع الاستجابة الصحية أمام تحدٍ إضافي، ويجعل المراقبة الوبائية والعزل المبكر والتوعية المجتمعية من أهم أدوات الحد من انتشار المرض.
ومن المرجح أن تظل المقاطعات الشرقية للكونغو الديمقراطية بؤرة الخطر الرئيسية خلال الفترة المقبلة، مع ضرورة مراقبة التطورات في أوغندا وكينيا وجمهورية أفريقيا الوسطى والدول المجاورة، وتعزيز التنسيق الصحي الإقليمي لمنع اتساع نطاق التفشي.
