مع استمرار الحرب في السودان والجرائم والانتهاكات التي ترتكبها ميليشيا الدعم السريع بحق سكان البلاد، يواصل المجتمع الدولي فرض مختلف أنواع العقوبات على هذه الجماعة.
مجلس الأمن يفرض عقوبات على قادة الدعم
وفي هذا السياق نعيد إلى الأذهان أن مجلس الأمن الدولي أدرج أواخر شهر فبراير الماضي أربعة من أبرز قيادات قوات الدعم السريع على قائمته للعقوبات، وهم: عبدالرحيم حمدان دقلو، جدو حمدان أبوشوك، الفاتح عبد الله إدريس المعروف بـ”أبو لولو” والتجاني إبراهيم موسى المعروف بـ”الزير سالم”.
وتم اتخاذ هذه الإجراءات بعد تقرير بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة الذي أظهر تورطهم في أعمال عنف واسعة، منها عمليات قتل جماعي واستهداف المدنيين والعنف الجنسي والاعتداء على الطواقم الطبية وغيرها. وتحديداً تم فرض إجراءات تقييدية على القياديين الأربعة في أعقاب الأحداث المأساوية في مدينة الفاشر السودانية، حيث ارتكبت قوات الدعم السريع عمليات قتل جماعي واعتداءات ضد المدنيين وانتشار العنف الجنسي، وفقاً لبيان صحفي صدر عن مجلس الأمن.
وفي التفاصيل الفنية تشمل العقوبات تجميد أصول القيادة المستهدفين المالية وحظر سفرهم وعدم دخول أو عبور أراضي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.
أما هدف الخطوة، فينبغي الإشارة إلى أن العقوبات تهدف إلى محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وإرسال رسالة واضحة بأن الجرائم ضد المدنيين لن تمر دون عقاب. كما تسعى إلى تقييد قدرة القياديين المستهدفين على ممارسة أي نشاط دولي يمكن أن يعزز استمرار الحرب في السودان وارتكاب مزيد من الجرائم بحق المدنيين جراء ذلك.
عقوبات أمريكية تطال أفراداً وشركات
من جهتها، قامت السلطات الأمريكية بفرض إجراءات تقييدية متنوعة على ميليشيا الدعم السريع منذ بداية الحرب في السودان عام 2023.
وفي هذا الإطار فرض مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية (OFAC)في ذات الشهر عقوبات على ثلاثة قادة من قوات الدعم السريع (الفاتح عبد الله إدريس آدم وجيدو حمدان أحمد محمد وتيجاني إبراهيم موسى محمد) بسبب أفعالهم في الفاشر أيضاً. “وقد شارك هؤلاء الأفراد في الحصار الذي فرضته قوات الدعم السريع على الفاشر والذي استمر 18 شهرًا، والذي انتهى بالاستيلاء والسيطرة عليها، حيث ارتكبت خلالها قوات الدعم السريع حملة مروعة من القتل على أساس عرقي والتعذيب والتجويع والعنف الجنسي. ومنذ بداية الحرب في السودان، ارتكبت قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها فظائع واسعة النطاق، بما في ذلك جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية”، وفقاً لبيان نشر على الموقع الرسمي التابع لوزارة الخزانة الأمريكية.
ولا بد من الإشارة أن الفاتح عبد الله إدريس آدم المعروف بـ”أبو لولو”، هو قائد ميداني صور نفسه وهو يعدم مدنيين عزل، وشارك في عمليات إعدام بمدينة الفاشر ومصفاة الجيلي شمال الخرطوم. وُصف بـ”جزار الفاشر” بعد مقاطع فيديو بثها بنفسه وهو يعدم أشخاصاً كانوا يستعطفونه.
جيدو حمدان أحمد محمد المعروف بـ”أبو شوك”، هو قائد عام لقوات الدعم السريع في شمال دارفور منذ 2021، وتحت قيادته ارتكبت قواته عمليات قتل جماعي واختطاف وتعذيب وعنف جنسي. أدرجته لجنة عقوبات السودان في مجلس الأمن في 24 فبراير 2026 بموجب القرار 1591.
أما التيجاني إبراهيم موسى محمد المعروف بـ”الزير سالم”، فهو قائد ميداني ظهر في مقاطع فيديو من جبهات القتال، قاد الهجوم على الفاشر من المحور الجنوبي، ووجه عمليات شملت قتل وتعذيب مدنيين بغض النظر عن أعمارهم أو جنسهم.
من جانبه، قال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت: “لن نتسامح مع هذه الحملة المستمرة من الإرهاب والقتل العبثي في السودان”. العقوبات تشمل تجميد أي أصول لهؤلاء القادة في الولايات المتحدة، ومنع أي شخص أمريكي من التعامل معهم، كما تم منع “أبو لولو” وعائلته من دخول الأراضي الأمريكية.
وصرح سكوت بيسنت: “الولايات المتحدة تدعو قوات الدعم السريع إلى الالتزام الفوري بوقف لإطلاق نار لأغراض إنسانية. نحن لن نتسامح مع هذه الحملة الإرهابية المستمرة والقتل العبثي في السودان”.
وأضاف بهذا الشأن: “وبدون نهاية سريعة، فإن الحرب الأهلية في السودان تهدد بزيادة زعزعة استقرار المنطقة، مما يهيئ الظروف لنمو الجماعات الإرهابية وتهديد أمن ومصالح الولايات المتحدة”.
ونتيجةً للإجراءات التي اتخذها الجانب الأمريكي، يتم تجميد جميع ممتلكات ومصالح الأشخاص المصنّفين والمُدرجين على قائمة العقوبات أو الأشخاص الخاضعين للحظر المذكورين أعلاه، سواءً كانت موجودة في الولايات المتحدة أو في حوزة أو تحت سيطرة أشخاص أمريكيين، ويجب الإبلاغ عنها إلى مكتب مراقبة الأصول الأجنبية. وبالإضافة إلى ذلك، يتم أيضًا تجميد أي كيانات مملوكة، بشكل مباشر أو غير مباشر، فرديًا أو جماعيًا، بنسبة 50% أو أكثر لشخص واحد أو أكثر من الأشخاص الخاضعين للحظر.
“وما لم يتم التصريح، أو الإعفاء، بموجب ترخيص عام أو خاص صادر عن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، فإن لوائح المكتب تحظر بشكل عام جميع المعاملات التي يُجريها أشخاص أمريكيون أو متواجدون داخل (أو يعبرون) الولايات المتحدة، والتي تنطوي على أي ممتلكات أو مصالح في ممتلكات الأشخاص الذين الخاضعين للحظر”، كما ورد في البيان.
أما قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو المعروف بـ”حميدتي”، فلم ينج من طائلة العقوبات الأمريكية هو الآخر “لدوره في الفظائع الممنهجة بحق الشعب السوداني”، كما ذكرت وزارة الخزانة الأمريكية.
واتهمت الوزارة حميدتي العام الماضي بارتكاب إبادة جماعية في إقليم دارفور، وعللت العقوبات على حميدتي بكونه “طرفا رئيسا” في النزاع ولأن “جرائم الحرب والفظائع” التي كشفتها الولايات المتحدة ارتكبت تحت قيادته.
وأضافت في بيانها: “حميدتي يتحمل من خلال قيادته مسؤولية رئيسة عن الأعمال الفظيعة وغير القانونية التي تقوم بها قواته”.
عقوبات أوروبية
من جهته، أعلن الاتحاد الأوروبي قبل أشهر فرض عقوبات أوروبية على عدد من قادة ميليشيا الدعم السريع أيضاً في أعقاب الجرائم الأخيرة التي تم ارتكابها بحق المدنيين السودانيين.
وفي هذا الشأن قالت ممثلة الشؤون الخارجية والسياسة الأمنية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس إن التكتل الأوروبي “يُدين بأشدّ العبارات الفظائع الجسيمة والمستمرة التي ترتكبها قوات الدعم السريع في السودان، بما في ذلك تلك التي أعقبت سيطرتها على مدينة الفاشر”.
وأشارت إلى أن استهداف المدنيين عمدًا وقتلهم بدوافع عرقية، والعنف الجنسي، واستخدام التجويع كأسلوب حرب، ومنع وصول الإغاثة تُعدّ انتهاكاتٍ جسيمة للقانون الإنساني الدولي، كما أن “هذه الأفعال قد تشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية”، وفقاً لها.
وأضافت المسؤولة الأوروبية: “ردًا على هذه الجرائم، اعتمد مجلس وزراء الخارجية في الاتحاد الأوروبي تدابير تقييدية ضد عبد الرحيم حمدان دقلو”.
وفي سياق متصل دعت هيومن رايتس ووتش مجلس الأمن الدولي عشية اجتماعه القادم بشأن السودان، إلى فرض عقوبات جديدة على قادة الدعم السريع وعلى “داعميها الرئيسيين، بمن فيهم الإمارات”، في ظل تحذيرات أممية من “خطر وشيك لوقوع فظائع جماعية” في مدينة الأُبيّض.
الخلاصة
تشكل العقوبات المذكورة على الدعم السريع ضربة إضافية لكيان يعاني أصلاً من نزيف الانشقاقات والصراعات الداخلية. تستهدف العقوبات أفراداً قياديين وشبكات الإمداد على السواء وتجعل الدعم السريع في مواجهة دولية متزايدة، مما يضعها أمام مصير مجهول أكثرفأكثر.
نقلاً عن صحيفة براون لاند السودانية
