في خطوة تعكس تحوّلاً لافتاً في مقاربة الدولة للملف الحدودي، أصدرت السلطات في النيجر توجيهات تقضي بإحصاء أفراد ما يُعرف بجماعة المحاميد في منطقتي زندر وديفا، مع مراجعة أوضاعهم القانونية، وصولاً إلى إمكانية إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية وسحب الوثائق غير القانونية.
قد يبدو القرار، في ظاهره، إجراءً إدارياً تقنياً لضبط الهجرة غير النظامية، لكنه في جوهره يحمل دلالات استراتيجية أعمق ترتبط بإعادة تعريف الدولة لسيادتها، خصوصاً في مناطقها الهشة.
الدولة وحدودها: من الجغرافيا إلى السيطرة
لطالما شكّلت المناطق الشرقية للنيجر فضاءً مفتوحاً للحركة البشرية، حيث تتداخل الروابط القبلية مع مسارات الرعي والتجارة عبر الحدود الممتدة نحو تشاد وليبيا وحتى السودان. في هذا السياق، يصبح مفهوم “الاستيطان غير النظامي” أكثر تعقيداً من مجرد مخالفة قانونية، إذ يتقاطع مع أنماط تاريخية من التنقل يصعب إخضاعها بالكامل لمنطق الدولة الحديثة.
لكن ما تغيّر اليوم هو السياق الأمني.
فالدولة لم تعد تنظر إلى هذه التحركات بوصفها ظاهرة اجتماعية، بل كمعطى أمني قابل للاستغلال في بيئة تتسم بانتشار الجماعات المسلحة.
الأمن أولاً: منطق الدولة في لحظة هشاشة
لا يمكن فصل هذا القرار عن الوضع الأمني في منطقة ديفا، القريبة من حوض بحيرة تشاد، حيث تنشط جماعات مسلحة عابرة للحدود. في مثل هذه البيئة، تتحول أي تجمعات سكانية غير منظمة إلى مصدر قلق أمني، سواء كحاضنة محتملة أو كغطاء لوجستي.
من هذا المنظور، تسعى الدولة إلى سدّ “المناطق الرمادية” التي تفصل بين السيطرة الرسمية والفراغ الأمني. فالإحصاء ليس مجرد عملية إدارية، بل خطوة أولى نحو إعادة ترسيم من يوجد داخل المجال السيادي ومن يقع خارجه.
الرسالة السياسية: استعادة المبادرة
يحمل القرار أيضاً رسالة سياسية مزدوجة. داخلياً، هو تأكيد على أن الدولة بصدد استعادة زمام المبادرة في إدارة شؤونها الأمنية، خصوصاً بعد مرحلة اتسمت بإعادة ترتيب العلاقات الدولية وتقليص الحضور العسكري الأجنبي. وخارجياً، يعكس توجهاً نحو ضبط الحدود ومنع تحوّل النيجر إلى مساحة عبور أو استقرار غير منضبط للسكان القادمين من مناطق الأزمات.
المعضلة الكبرى: بين الأمن والإنسان
غير أن هذا التوجه، رغم وجاهته الأمنية، يطرح إشكالات معقدة. فعملية سحب الوثائق أو إعادة الأفراد إلى “بلدانهم الأصلية” تصطدم بواقع اجتماعي وقانوني شديد التشابك، حيث يصعب في كثير من الحالات تحديد الانتماء الوطني بشكل قاطع.
هنا يبرز خطر أن تتحول المعالجة الأمنية إلى مصدر توتر اجتماعي، خاصة إذا ما فُهمت الإجراءات على أنها استهداف جماعي. كما أن أي خلل في التنفيذ قد يدفع بعض المتضررين نحو مسارات أكثر خطورة، بما في ذلك الانخراط في شبكات التهريب أو الجماعات المسلحة.
مخاطر غير محسوبة؟
التاريخ القريب في منطقة الساحل يبيّن أن المقاربات الأمنية الصرفة، إذا لم تُدعَم بحلول اجتماعية واقتصادية، قد تأتي بنتائج عكسية. فالتهميش، وليس فقط الفقر، هو أحد أهم محركات عدم الاستقرار.
وفي هذا الإطار، قد تجد الجماعات المسلحة في هذا الملف فرصة لتوسيع نفوذها عبر استثمار مشاعر الإقصاء أو الظلم، وهو ما يستدعي حذراً بالغاً في كيفية تنفيذ الإجراءات.
و في الختام: اختبار لقدرة الدولة
في المحصلة، تمثل هذه الخطوة اختباراً حقيقياً لقدرة النيجر على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الأمن واحترام التعقيدات الاجتماعية والإنسانية.
فالرهان لا يكمن فقط في ضبط الحدود، بل في كسب ثقة المجتمعات المحلية التي تعيش على تخوم هذه الحدود. وإذا نجحت الدولة في إدارة هذا الملف بحكمة، فقد يشكل ذلك نموذجاً لإعادة بسط السيادة بشكل مستدام. أما إذا أُدير بمنطق أحادي، فقد يفتح الباب أمام تحديات جديدة لا تقل خطورة عن تلك التي يسعى إلى معالجتها.
