لم يكن انسحاب جبهة تحرير أزواد FLA من كيدال مجرد تطور ميداني عابر، بل يمثل نقطة تحول جديدة في الصراع على شمال مالي، خصوصاً أن الجبهة اختارت الانسحاب قبل وصول القوات المالية بدلاً من خوض مواجهة مباشرة داخل المدينة.
وبذلك أصبحت كيدال مرة أخرى تحت سيطرة الجيش المالي، لكن السؤال الأهم لم يعد: من يسيطر على كيدال؟ بل: هل تستطيع باماكو الاحتفاظ بها وتحويل السيطرة العسكرية إلى نفوذ سياسي وأمني مستدام؟.
المعطيات الحالية تشير إلى أن القوات المالية باتت أمام اختبار أكثر تعقيداً من مجرد دخول المدينة. فكسب مدينة في البيئة الصحراوية لا يعني بالضرورة السيطرة على محيطها، ولا يضمن تأمين الطرق التي تربطها بالمراكز العسكرية الأخرى، ولا يمنع الخصم من العودة إلى تكتيكات حرب الاستنزاف.
المتمردون من الدفاع عن كيدال إلى حرب الصحراء:-
إذا كان انسحاب جبهة تحرير أزواد FLA منظماً بالفعل، فإن الجبهة قد تكون بصدد تغيير تكتيكاتها، وليس التخلي عن الصراع.فبدلاً من محاولة الاحتفاظ بالمدن، يمكن أن تنتقل إلى استراتيجية تقوم على الحركة في المجال الصحراوي، والكمائن، واستهداف طرق الإمداد، وضرب الوحدات المعزولة، وتجنب المواجهة المباشرة مع القوات المتفوقة جوياً وتسليحاً. وهذه الاستراتيجية قد تكون أكثر ملاءمة لطبيعة شمال مالي، حيث المسافات شاسعة، والمراكز السكانية متباعدة، وتحتاج القوات الحكومية إلى خطوط إمداد طويلة ومكلفة لحماية مواقعها.ومن هنا فإن السيطرة على كيدال قد تضع الجيش المالي أمام معادلة صعبة: كلما توسع انتشاره خارج المدينة، زادت حاجته إلى حماية طرقه؛ وكلما ركز قواته داخل المدينة، بقيت المناطق المحيطة مفتوحة أمام خصومه.
الاختبار الحقيقي: هل تتكرر تجربة 2023؟:-
تكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بالنظر إلى تجربة كيدال السابقة.
فقد تمكن الجيش المالي من استعادة المدينة في نوفمبر 2023، لكن التطورات اللاحقة أثبتت أن استعادة المركز الحضري لم تكن كافية لإنهاء الصراع في الشمال.
ولهذا فإن نجاح باماكو الحالي سيقاس بقدرتها على منع تكرار السيناريو نفسه.فالسيطرة العسكرية المؤقتة شيء، وبناء منظومة أمنية وإدارية قادرة على الصمود أمام عودة المسلحين شيء آخر.وإذا تمكنت القوات المالية من تأمين كيدال، وأنيفيس، وأغويلهوك، وربط هذه المواقع بشبكة إمداد مستقرة، فإن ميزان القوى قد يميل تدريجياً لصالح باماكو,.أما إذا عادت الهجمات إلى الطرق والمواقع العسكرية المحيطة، فقد تتحول السيطرة على كيدال إلى عبء عسكري أكثر منها مكسباً استراتيجياً.
الحدود الجزائرية.. العقدة الأكثر حساسية:-
المسار الأخطر خلال المرحلة المقبلة قد يكون مرتبطاً بالمناطق الشمالية القريبة من الحدود الجزائرية.فأي توسع عسكري مالي باتجاه الشمال والحدود قد يرفع مستوى الحساسية الإقليمية، خصوصاً أن ملف شمال مالي مرتبط تاريخياً بالدور الجزائري في الوساطة بين باماكو والحركات الأزوادية.ومن ثم فإن استمرار العمليات العسكرية في الشمال لن يبقى شأناً مالياً داخلياً بالكامل، بل قد يتقاطع مع حسابات الجزائر الأمنية والسياسية، ولا سيما إذا اقتربت العمليات من المناطق الحدودية أو أدت إلى موجات نزوح جديدة.
هل تعود جبهة تحرير أزواد FLA إلى التحالفات الميدانية؟
هناك عامل آخر ينبغي مراقبته، وهو طبيعة العلاقة بين FLA والجماعات الجهادية، وعلى رأسها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين JNIM.
ورغم الاختلاف الكبير بين المشروع الانفصالي الأزوادي والمشروع الجهادي، فإن وجود عدو مشترك قد يؤدي في ظروف معينة إلى تعاون ميداني أو تنسيق محدود. وهنا تكمن أخطر فرضيات المرحلة المقبلة.فإذا اضطرت FLA إلى العمل من خارج المدن، بينما تواصل JNIM عملياتها في مناطق أخرى من مالي، فإن الجيش المالي وحلفاءه سيواجهون خصمين بأسلوبين مختلفين ، جبهة تحرير أزواد يمكن أن تعتمد على الحركة والكمائن وحرب الصحراء.بينما تستطيع JNIM استثمار بيئة عدم الاستقرار لتنفيذ هجمات أوسع على المواقع والقوافل والطرق.
وهذا قد يجعل مهمة القوات الحكومية أكثر صعوبة، حتى مع امتلاكها تفوقاً في القوة النارية.
هل نحن أمام فرصة للتفاوض؟
المفارقة أن الانتصار العسكري في كيدال قد يفتح في الوقت نفسه نافذة سياسية.فباماكو أصبحت في موقع أقوى ميدانياً، بينما فقدت جبهة تحرير أزواد FLA إحدى أهم رموز نفوذها.وفي مثل هذه الظروف يمكن أن يصبح التفاوض أكثر واقعية، خصوصاً إذا أدرك الطرفان أن السيطرة العسكرية وحدها لا تستطيع إنهاء جذور الأزمة. لكن أي تسوية مستقبلية ستحتاج إلى معالجة القضايا التي أنتجت الصراع في شمال مالي، وليس الاكتفاء بترتيبات أمنية مؤقتة.
كما أن أي مسار تفاوضي جاد سيبقى مرتبطاً بالموقف الجزائري وبطبيعة العلاقة بين باماكو والفاعلين الإقليميين.
المسارات : هنالك ثلاثة مسارات محتملة :-
بناءً على المعطيات الحالية، يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية:-
الأول: تثبيت السيطرة الحكومية.
تنجح القوات المالية في الاحتفاظ بكيدال، وتؤمن الطرق والمواقع العسكرية المحيطة، وتمنع FLA من إعادة تنظيم صفوفها.
الثاني: حرب استنزاف جديدة.
تحتفظ باماكو بالمدينة، بينما تنتقل FLA إلى الصحراء وتبدأ باستهداف خطوط الإمداد والمواقع المتقدمة، لتتحول كيدال إلى مركز عسكري محاصر ببيئة غير مستقرة.
الثالث: العودة إلى التفاوض.
يؤدي تغير ميزان القوى إلى دفع الطرفين نحو تسوية سياسية جديدة، ربما بوساطة إقليمية، مع بقاء الملف الأمني جزءاً من الترتيبات السياسية.
اخيرا أن استعادة كيدال تمثل بلا شك مكسباً عسكرياً وسياسياً مهماً لباماكو، لكنها لا تعني نهاية الصراع في شمال مالي.فالمدينة ليست سوى نقطة داخل مساحة صحراوية واسعة، والسيطرة عليها تحتاج إلى منظومة متكاملة من القوة العسكرية، والاستخبارات، والإمداد، والإدارة، والتفاهمات السياسية.ولهذا فإن المرحلة المقبلة ستكون أهم من عملية الدخول نفسها.فإذا تمكنت باماكو من تحويل السيطرة على كيدال إلى حضور مستدام يمتد إلى محيطها وطرقها الاستراتيجية، فإنها ستكون قد حققت تحولاً حقيقياً في ميزان القوى.
أما إذا اكتفت بالسيطرة على المدينة، بينما أعادت جبهة تحرير أزواد FLA تنظيم صفوفها في الصحراء، فقد تكون كيدال أمام بداية دورة جديدة من الصراع، لا نهايته.وبعبارة أكثر وضوحاً: معركة كيدال ربما انتهت، لكن معركة السيطرة على شمال مالي لم تنتهِ بعد.
تقرير:- حسن يوسف زرما
