متى وكيف وصل تنظيم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين إلى غينيا كوناكري؟
لم يصل تنظيم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين إلى غينيا كوناكري عبر هجوم عسكري كبير ومعلن، بل تشير المعطيات المتاحة إلى تسلل تدريجي من جنوب مالي نحو المناطق الشرقية والشمالية الشرقية من غينيا، مستفيدًا من الحدود المشتركة ومناطق التعدين وشبكات التنقل والتجارة. وتعود المؤشرات الأمنية العلنية إلى عام 2023 على الأقل، بينما تصاعدت المخاوف بشأن نشاط التنظيم خلال عامي 2025 و 2026.
أولًا: متى بدأ وصول التنظيم إلى غينيا؟
لفهم المسألة، ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات: وجود مقاتلين مشتبه في انتمائهم إلى التنظيم، وإنشاء شبكات محلية للإسناد والتجنيد، والسيطرة العسكرية على الأراضي. فهذه مستويات مختلفة، ولا يعني إثبات أحدها بالضرورة تحقق المستويين الآخرين.
1. عام 2017: تأسيس التنظيم في مالي
تأسست جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في مارس 2017، من اندماج عدة جماعات مسلحة مرتبطة بتنظيم القاعدة، وأصبحت مالي مركز نشاطها الرئيسي، قبل أن تتوسع تدريجيًا إلى مناطق أخرى في الساحل وغرب أفريقيا.
لكن لا توجد أدلة كافية تسمح بالقول إن التنظيم أنشأ وجودًا مستقرًا داخل غينيا في عام تأسيسه.
2. الفترة بين 2018 و2022: التوسع الإقليمي
خلال هذه المرحلة، عزز التنظيم حضوره في مناطق من جنوب مالي وغربها، وامتدت أنشطته إلى مناطق قريبة من الحدود الغينية.
وتشير دراسة حديثة نشرتها مؤسسة كونراد أديناور في أكتوبر 2026 إلى أن ترسخ التنظيم في جنوب غرب مالي تطور تدريجيًا منذ عام 2018، مستفيدًا من شبكات الحركة والملاذات المحلية وممرات التجارة.
غير أن ترسخ التنظيم داخل الأراضي المالية لا يثبت وحده وجود قواعد دائمة له داخل غينيا خلال الفترة نفسها.
3. عام 2023: ظهور مؤشرات داخل غينيا
يمثل عام 2023 نقطة مهمة في تتبع المؤشرات العلنية.فبحسب تحليل نشرته منظمة ACLED، صرح المدعي العام لمحكمة كالوم في كوناكري، في نوفمبر 2023، بأنه جرى التعرف على أشخاص يُشتبه في ارتباطهم بجماعات مسلحة أجنبية في مناطق تشمل كانكان ومندِيانا وأجزاء من الجنوب الشرقي الغيني.
وأشارت التصريحات إلى أن بعض المشتبه فيهم كانوا يستخدمون مناطق التعدين للحصول على الأموال، مع اعتبار غينيا منطقة عبور في ذلك الوقت.
وهذا من أقدم المؤشرات الرسمية المنشورة على وجود تحركات مشتبه بها مرتبطة بتهديد الجماعات المسلحة داخل المناطق الشرقية من البلاد. لكنه لا يثبت أن جميع هؤلاء الأشخاص كانوا ينتمون إلى جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تحديدًا.
ثانيًا: كيف تسلل التنظيم إلى غينيا؟
يمكن تفسير نمط التمدد المحتمل من خلال أربعة عوامل رئيسية:
1. الحدود المشتركة مع مالي
تمثل المناطق الحدودية بين جنوب مالي وشرق غينيا مجالًا للحركة التجارية والتنقل البشري، وهو ما قد تستغله الجماعات المسلحة لتجاوز الحدود بصورة غير نظامية.
ومع توسع عمليات التنظيم في جنوب مالي، اقترب نشاطه من المناطق الغينية الغنية بالذهب.
2. مناطق التعدين والذهب
تعد محافظتا سيغيري ومندِيانا من أبرز مناطق إنتاج الذهب في شرق غينيا.
وتشير المتابعات الاستقصائة إلى أن مناطق التعدين التقليدي والصناعي قد توفر للجماعات المسلحة فرصًا للحصول على الأموال، وبناء العلاقات المحلية، وجمع المعلومات، والتحرك عبر شبكات التجارة.
لكن وجود شخص في منطقة تعدين أو اشتغاله فيها لا يكفي وحده لإثبات ارتباطه بالتنظيم.
3. بناء شبكات محلية بدلًا من السيطرة العسكرية المباشرة
من الأساليب التي ترصدها التحليلات الأمنية في مناطق تمدد التنظيمات المسلحة إقامة علاقات مع أفراد محليين، وتجنيد وسطاء، وجمع المعلومات، والاستفادة من طرق التنقل والتجارة.
وفي الحالة الغينية، تتحدث التقارير عن مؤشرات اشتباه في الاستطلاع والتجنيد ووجود شبكات مساندة. لكن يجب عدم التعامل مع جميع هذه المؤشرات باعتبارها أدلة قاطعة على وجود بنية تنظيمية متكاملة في البلاد.
4. الاستفادة من هشاشة المناطق الحدودية
تلفت دراسة مؤسسة كونراد أديناور إلى عوامل يمكن أن تستغلها الجماعات المسلحة، من بينها النزاعات على الأراضي والموارد، وضعف الخدمات العامة، ومشكلات إدارة التنقل الرعوي، والأنشطة التجارية غير النظامية.
هذه العوامل قد تساعد التنظيم على بناء علاقات أو ممارسة الضغط على السكان، لكنها لا تعني أن المجتمعات المحلية تؤيده، ولا تجعل أنشطة التعدين والرعي والتجارة دليلًا على التطرف.
ثالثًا: ماذا حدث في عام 2025؟
شهد عام 2025 تطورات زادت من المخاوف بشأن انتقال التهديد من مالي إلى الأراضي الغينية.
يناير 2025: وقع هجوم نفذه مسلحون على مدنيين عند نقطة الجمارك في كوريمالي، المعبر الحدودي الرئيسي بين مالي وغينيا، أعقبه اشتباك مع القوات الغينية ومقاتلين من جماعة الدوزو التقليدية. ولم تتمكن المعلومات المنشورة من إسناد هذا الهجوم بصورة قاطعة إلى جماعة نصرة الإسلام والمسلمين.
25 مارس 2025: أفادت ACLED بأن سكان منطقة ليمبانا في محافظة ماندِيانا أوقفوا شخصًا اشتُبه في قيامه بمهام استطلاع لصالح التنظيم.
أبريل 2025: اعتقلت السلطات الغينية 11 شخصًا في محافظات سيغيري ومندِيانا وكانكان، ضمن تحقيقات مرتبطة بالاشتباه في أنشطة إرهابية.
وفي مارس 2026، أُعلن عن نتائج تحقيقات تربط الموقوفين بشبكات مرتبطة بجماعة نصرة الإسلام والمسلمين.
وتشير هذه التطورات إلى أن القضية تجاوزت مجرد المخاوف الجغرافية من اقتراب التنظيم، وأصبحت تشمل تحقيقات أمنية داخل غينيا. ومع ذلك، يجب التمييز بين الاشتباه والاتهامات القضائية وبين إثبات المسؤولية الجنائية بحكم نهائي.
رابعًا: ماذا تكشف تطورات عام 2026؟
بحسب تقرير نشرته صحيفة «كورييه إنترناسيونال» في 24 مارس 2026، أعلنت النيابة العامة الغينية توقيف 11 شخصًا في قضية تتعلق بالإرهاب والتطرف العنيف، بينهم سبعة ماليين ونيجريّان وبوركيني ومواطن غيني.
وأفادت التحقيقات بوجود صلات بين المشتبه فيهم وشبكات مرتبطة بجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، كما تناولت القضية شخصًا ماليًا أوقف في كانكان للاشتباه في ارتباطه بخلية نائمة.
وفي أكتوبر 2026، أكدت دراسة لمؤسسة كونراد أديناور أن تمدد التنظيم في جنوب غرب مالي يرفع المخاطر الأمنية على الجانب الغيني، لكنها شددت على ضرورة التمييز بين وجود شبكات متسللة وبين السيطرة الإقليمية أو إنشاء جبهة مسلحة منظمة داخل غينيا.
خامسًا: هل أصبح التنظيم يسيطر على مناطق داخل غينيا؟
حتى 28 أكتوبر 2026، لا تسمح الأدلة المذكورة بالجزم بأن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تسيطر عسكريًا على أراضٍ داخل غينيا كوناكري على غرار مناطق نفوذها في أجزاء من مالي وبوركينا فاسو.
لكن توجد مؤشرات تستدعي المتابعة، أبرزها:
رصد تحركات مشتبه بها في مناطق التعدين بشرق البلاد.
توقيف أشخاص قالت السلطات إن التحقيقات ربطتهم بشبكات التنظيم.
توسع نشاط التنظيم في جنوب مالي واقترابه من الحدود الغينية.
المخاطر المرتبطة باستغلال طرق التجارة والتنقل ومناطق التعدين.
والتوصيف الأكثر دقة هو أن غينيا تواجه خطر التسلل وبناء شبكات محلية مرتبطة بالتنظيم، دون أن يعني ذلك ثبوت سيطرته الإقليمية أو امتلاكه جبهة عسكرية مستقرة داخل البلاد.
التقدير الأمني:-
تتمثل أهمية الحالة الغينية في أن التهديد قد يتطور تدريجيًا من عبور الأفراد واستغلال شبكات التعدين والتجارة إلى التجنيد المحلي وجمع المعلومات وتكوين شبكات إسناد.
وتبرز محافظتا سيغيري ومندِيانا، إلى جانب منطقة كانكان، بوصفها مناطق تستحق المتابعة بسبب موقعها الجغرافي وأهميتها الاقتصادية وورودها في التحقيقات الأمنية المنشورة.
ومع ذلك، فإن نجاح التنظيم في التمدد داخل جنوب مالي لا يعني بالضرورة نجاحه في تكرار النموذج نفسه داخل غينيا؛ إذ يتوقف ذلك على قدرة السلطات على ضبط الحدود، ومتابعة الشبكات المالية واللوجستية، وتعزيز حضور مؤسسات الدولة، ومعالجة النزاعات المحلية.
و تشير الأدلة المتاحة إلى أن المؤشرات العلنية على نشاط مشتبه به مرتبط بجماعة نصرة الإسلام والمسلمين داخل غينيا ظهرت على الأقل في عام 2023، ثم تعززت التحقيقات والتوقيفات خلال عام 2025، وأصبحت الصلات المزعومة بالتنظيم أكثر وضوحًا في الإعلانات القضائية خلال مارس 2026. أما القول إن التنظيم دخل غينيا في تاريخ محدد أو سيطر على منطقة بعينها، فيحتاج إلى أدلة مستقلة أكثر حسمًا.
حسن يوسف زرما مراسل برا ن لاند غرب أفريقيا.
