تطرح التطورات الأمنية في غرب مالي، واتساع نشاط الجماعات المسلحة في المناطق القريبة من الحدود الموريتانية، تساؤلات متزايدة بشأن طبيعة العلاقة بين هذه الجماعات والفضاء الحدودي المشترك بين البلدين. وتتركز المسألة في ثلاثة محاور رئيسية: احتمال وجود شبكات دعم وإمداد عابرة للحدود، ومدى استخدام الأراضي الموريتانية ممراً للحركة أو ملاذاً لبعض العناصر المسلحة، ثم تأثير هذه المسائل على العلاقات الثنائية وأمن منطقة الساحل.
وتزداد أهمية هذا الملف مع تصاعد نشاط جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة في غرب مالي، وامتداد الضغوط الأمنية إلى المناطق المحاذية لموريتانيا والسنغال. لكن التقييم الموضوعي يقتضي الفصل بين وجود الجماعات المسلحة قرب الحدود، وإمكانية تحرك عناصرها عبرها، وبين الادعاء بأن الدولة الموريتانية أو مؤسساتها تقدم دعماً منظماً لهذه الجماعات.
أولاً: خريطة التهديد في غرب مالي والمناطق الحدودية.
تمثل مناطق كايس ونورو ومحيطهما في غرب مالي أهمية أمنية واقتصادية بسبب ارتباطها بطرق النقل والتجارة التي تصل مالي بموريتانيا والسنغال. وقد أصبحت هذه المنطقة مسرحاً متزايد الأهمية لنشاط جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، التي وسعت عملياتها ضد القوات الحكومية، وهددت حركة النقل والإمداد على الطرق الرئيسية. وفي أكتوبر 2025، أشار معهد الدراسات الأمنية الإفريقي إلى أن الجماعة فرضت قيوداً وحواجز على الطرق التي تربط مالي بالسنغال وموريتانيا، في إطار حملة استهدفت الضغط على مناطق كايس ونورو. وشملت الحملة، وفق المعهد، إحراق مركبات وخطف مسافرين على بعض الطرق. وتشير هذه التطورات إلى أن الجماعة تمتلك قدرة على العمل في المناطق المتصلة بالممرات التجارية العابرة للحدود، وأنها تسعى إلى استثمار هذه الممرات للضغط على السلطات والاقتصاد المحلي. لكنها لا تثبت، في حد ذاتها، أن الجماعة تستخدم الأراضي الموريتانية قاعدة عمليات أو أنها تتلقى دعماً من السلطات الموريتانية. وفي تحليل نشره مشروع التهديدات الحرجة التابع لمعهد أمريكان إنتربرايز في نوفمبر 2025، أشار الباحثون إلى توسع نشاط الجماعة في غرب مالي، وإلى احتمال أن يؤدي تعزيز وجودها هناك إلى توسيع شبكات الدعم الخلفية عبر الحدود باتجاه موريتانيا والسنغال. كما تناول التحليل استفادة الجماعات المسلحة من الشبكات الاقتصادية العابرة للحدود، بما فيها أنشطة التجارة والتهريب.
وتكمن أهمية هذا التقييم في أنه يحدد مساراً محتملاً لتوسع الشبكات المسلحة، لكنه لا يمثل دليلاً قاطعاً على وجود قواعد دائمة للجماعة داخل موريتانيا أو على تقديم دعم حكومي لها.
ثانياً: هل توجد أدلة موثوقة على تلقي الجماعات المسلحة دعماً من الأراضي الموريتانية؟
يتطلب الإجابة عن هذا السؤال التمييز بين ثلاثة مستويات من الأدلة.
المستوى الأول: وجود نشاط مسلح في المناطق الحدودية.
توجد تقارير تحليلية موثوقة عن توسع نشاط جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في غرب مالي، وعن تهديدها الطرق التجارية المؤدية إلى موريتانيا والسنغال. ويؤكد ذلك أن المنطقة الحدودية أصبحت جزءاً من البيئة العملياتية للجماعة، وأن نشاطها لا يمكن فهمه بمعزل عن العلاقات الاجتماعية والاقتصادية التي تربط المجتمعات على جانبي الحدود.
المستوى الثاني: احتمال استخدام شبكات عابرة للحدود للعبور والإمداد.
تشير تحليلات أمنية إلى أن الجماعات المسلحة تستفيد من اتساع المناطق الصحراوية، وصعوبة مراقبة بعض المسارات، والروابط العائلية والتجارية بين المجتمعات الحدودية. ويمكن لهذه العوامل أن تتيح الحركة غير القانونية للأفراد والسلع، أو تسهيل الحصول على احتياجات لوجستية.
لكن إثبات استخدام الأراضي الموريتانية بصورة منتظمة ممراً للمقاتلين أو مخزناً للإمدادات يتطلب معلومات أكثر تحديداً، مثل توثيق عمليات عبور بعينها، أو ضبط شحنات مرتبطة بالجماعات، أو تحديد شبكات تمويل وإيواء يمكن التحقق منها بصورة مستقلة.
المستوى الثالث: تقديم دعم مباشر أو منظم من الدولة الموريتانية.
هذا هو الادعاء الأكثر خطورة، ولا يجوز استنتاجه من مجرد وجود جماعات مسلحة في غرب مالي أو من تعقيد ضبط الحدود. فإثباته يحتاج إلى أدلة مستقلة على التمويل أو التسليح أو توفير الحماية أو إصدار توجيهات رسمية، وليس مجرد اتهامات سياسية أو روايات غير موثقة. وبناءً على المصادر المفتوحة التي أمكن مراجعتها لهذا التقرير، لا تتوافر أدلة مستقلة كافية تثبت أن الحكومة الموريتانية تتبنى سياسة رسمية لدعم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين أو تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل. وفي المقابل، لا يمكن نفي احتمال وجود شبكات تهريب أو تسهيل محلية تعمل بصورة سرية أو من دون علم السلطات. وعليه، فإن التوصيف الأكثر دقة هو أن احتمال وجود شبكات حركة وإمداد عابرة للحدود يستحق التحقيق والمتابعة، لكن ذلك لا يساوي إثبات دعم موريتاني رسمي للجماعات المسلحة.
ثالثاً: الخلاف المالي الموريتاني في عام 2026
برزت حساسية هذا الملف بصورة أوضح خلال عام 2026، عندما تصاعد التوتر بين باماكو ونواكشوط على خلفية اتهامات متبادلة مرتبطة بأمن الحدود. وفي 3 مايو 2026، نقلت وكالة الأنباء القطرية عن هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الموريتانية نفيها تقارير تحدثت عن تسلل مقاتلين من مالي إلى الأراضي الموريتانية. وأكدت السلطات الموريتانية، وفق البيان المنقول، سيطرتها على أراضيها وعدم تسجيل نشاط عدائي من النوع الذي تحدثت عنه تلك التقارير. وفي 21 أبريل 2026، أفادت وكالة رويترز بأن وزير الخارجية المالي عبد الله ديوب اتهم، خلال منتدى أمني في السنغال، دولاً مجاورة بإيواء جماعات مسلحة أو دعمها، لكنه لم يسمِّ تلك الدول. وأشارت الوكالة إلى أن التوتر بين مالي وموريتانيا تصاعد بعد ادعاء مالي أن مسلحين احتجزوا جنديين ماليين عبر الحدود، وهو ادعاء رفضته موريتانيا. وتوضح هذه الوقائع أن الشكوك المتعلقة بالحدود تحولت إلى مصدر توتر سياسي بين البلدين، لكنها لا تثبت بذاتها صحة الاتهامات المتعلقة بتقديم دعم للجماعات المسلحة.
ومن المهم هنا التمييز بين رواية طرف رسمي ورواية الطرف الآخر، ثم البحث عن أدلة مستقلة يمكنها إثبات مكان وقوع الحادثة، وهوية الجهة التي نفذتها، وطبيعة الدعم المزعوم إن وجد.
رابعاً: لماذا قد تستفيد الجماعات المسلحة من المجال الحدودي؟
توجد عدة عوامل قد تجعل المناطق الحدودية جذابة لشبكات الجماعات المسلحة، من دون أن يعني ذلك أن الدولة المجاورة تتعاون معها.
أ/ الجغرافيا واتساع المجال الحدودي: يصعب مراقبة كل المسارات في المناطق الصحراوية وشبه الصحراوية، خصوصاً حين تتوزع التجمعات السكانية على مسافات واسعة وتتداخل مسارات الرعي والتجارة والنقل.
ب/ الروابط الاجتماعية والاقتصادية: –
ترتبط المجتمعات الحدودية بعلاقات عائلية وتجارية قديمة، وتعتمد بعض الأنشطة الاقتصادية على التنقل بين البلدين. وقد تستغل الشبكات المسلحة هذه الروابط لتسهيل الحركة أو الحصول على السلع والخدمات، كما قد تستفيد منها شبكات التهريب والجريمة المنظمة.
ج/ الاقتصاد غير النظامي: –
يمكن أن توفر بعض أنشطة التهريب مصادر دخل أو خدمات لوجستية يستفيد منها المسلحون، سواء عبر دفع الأموال أو فرض الإتاوات أو إقامة علاقات مع وسطاء محليين. غير أن وجود اقتصاد غير رسمي لا يثبت تلقائياً أن جميع العاملين فيه مرتبطون بالجماعات المسلحة.
د/ الضغط العسكري داخل مالي: عندما تتعرض الجماعات المسلحة لضغط في منطقة معينة، قد تحاول تغيير مسارات الحركة أو إعادة توزيع عناصرها وشبكاتها. لكن إثبات انتقالها إلى الأراضي الموريتانية يتطلب توثيقاً لكل حالة على حدة، ولا يمكن استنتاجه من تحركاتها داخل مالي وحدها.
وفي هذا السياق، أشار تحليل مشروع التهديدات الحرجة إلى أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تستفيد من شبكات الدعم والتمويل المحلية، وأن توسعها في غرب مالي قد يعزز قدرتها على بناء روابط عابرة للحدود. ويظل ذلك تقييماً للاتجاهات والاحتمالات، لا دليلاً على وجود اتفاق رسمي بين الجماعة والسلطات الموريتانية.
خامساً: التداعيات المحتملة على العلاقات الثنائية
قد يؤدي استمرار الاتهامات غير المحسومة إلى تراجع الثقة الأمنية بين باماكو ونواكشوط، خصوصاً إذا اعتبرت مالي أن الجماعات المسلحة تستفيد من ضعف التنسيق الحدودي، بينما رأت موريتانيا أن العمليات المالية أو التصريحات الصادرة عن المسؤولين الماليين تمس سيادتها أو تسيء إلى سمعتها.
وتتمثل أبرز المخاطر في:
أ- التصعيد الدبلوماسي: استدعاء السفراء أو تبادل الاحتجاجات الرسمية، بما قد يعطل التعاون في ملفات الأمن والهجرة والتجارة.
ب- الحوادث الحدودية: احتمال وقوع عمليات عسكرية أو ملاحقات تتجاوز الحدود، وما قد ينجم عنها من سقوط ضحايا مدنيين أو اعتقال أشخاص بالخطأ.
ج- تضرر التجارة: استمرار إغلاق الطرق أو تهديد الشاحنات والمسافرين قد يرفع تكاليف النقل ويضر بالأسواق والمجتمعات التي تعتمد على التجارة عبر الحدود.
د- تسييس ملف اللاجئين: قد تتحول المخاوف المتعلقة بوجود عناصر مسلحة بين النازحين إلى اتهامات جماعية تطال اللاجئين، رغم أن وجود أشخاص مشتبه بهم لا يبرر التعامل مع جميع اللاجئين بوصفهم تهديداً أمنياً.
ه- تراجع تبادل المعلومات: إذا استمر تبادل الاتهامات من دون آلية مشتركة للتحقق، فقد تفقد الدولتان فرصة التنسيق في مواجهة التهديدات الفعلية.
وتتصل هذه المخاطر بواقع أوسع؛ إذ أشار تقرير لمنظمة العفو الدولية نُشر في 29 سبتمبر 2026 إلى انتهاكات خطيرة ارتكبتها القوات المسلحة المالية والقوات الأجنبية المتحالفة معها خلال عمليات عسكرية بين يونيو 2023 وديسمبر 2025، في مناطق شملت الحدود الموريتانية. كما وثق التقرير تأثير العمليات على المدنيين وتزايد تدفق اللاجئين الماليين إلى موريتانيا.
ولا يثبت هذا التقرير دعماً موريتانياً للجماعات المسلحة، لكنه يوضح أن العمليات العسكرية قرب الحدود، وما يرافقها من مخاطر على المدنيين والنزوح، أصبحت جزءاً أساسياً من السياق الأمني الذي تتشكل فيه العلاقات الثنائية.
سادساً: التأثير على أمن منطقة الساحل
لا تقتصر تداعيات الخلاف على مالي وموريتانيا، بل تمتد إلى منظومة الأمن الإقليمي، لأن الجماعات المسلحة تنشط عبر مساحات تتجاوز الحدود السياسية، فيما تعتمد الاستجابة الأمنية على تبادل المعلومات والتنسيق بين الدول. ويؤدي ضعف الثقة بين الدول المجاورة إلى خلق فجوات قد تستفيد منها الجماعات المسلحة، سواء من خلال تغيير مسارات الحركة أو استغلال الخلافات بين القوات الأمنية أو توظيف الاتهامات السياسية لتوسيع نفوذها المحلي.
كما أن التركيز على اتهام دولة مجاورة من دون أدلة قابلة للتحقق قد يصرف الانتباه عن مصادر التهديد داخل مناطق النشاط المسلح نفسها، ومنها الإكراه المحلي، والجباية غير القانونية، وتهديد الطرق التجارية، واستهداف المجتمعات التي ترفض الخضوع للجماعات. وتزداد أهمية التنسيق الإقليمي في ظل تداخل التهديدات بين غرب مالي والمناطق الحدودية مع موريتانيا والسنغال. ولذلك فإن التعامل مع القضية باعتبارها خلافاً ثنائياً فقط قد لا يكون كافياً؛ إذ يتطلب الأمر تبادل معلومات موثقة عن الحوادث، ومراقبة التدفقات المالية واللوجستية غير المشروعة، وحماية المدنيين، وتجنب العمليات التي قد تؤدي إلى توترات حدودية جديدة.
سابعاً: ما الذي ينبغي التحقق منه لإثبات وجود دعم أو ممرات إمداد؟
للوصول إلى استنتاج أكثر حسماً، ينبغي أن يركز التحقيق على أدلة قابلة للتحقق، من بينها:
1. توثيق حوادث عبور محددة، مع تحديد التاريخ والموقع وهوية العناصر المتورطة، إن أمكن.
2. التحقق من عمليات ضبط أسلحة أو ذخائر أو وقود أو أموال، وبيان ما إذا كانت هناك صلة مثبتة بجماعة مسلحة.
3. فحص الادعاءات المتعلقة بتوفير الإيواء أو العلاج أو النقل أو الاتصالات، مع التمييز بين مساعدة أفراد محليين وبين تورط مؤسسات رسمية.
4. مقارنة البيانات الرسمية المالية والموريتانية بتقارير مستقلة وشهادات محلية يمكن التحقق من صحتها.
5. مراجعة ما إذا كانت هناك تحقيقات قضائية أو تقارير دولية موثقة تثبت وجود شبكات دعم تعمل انطلاقاً من الأراضي الموريتانية.
6. التمييز بين الدعم المتعمد من جهة منظمة، والتسهيل الذي تفرضه الجماعات المسلحة على السكان، والأنشطة الإجرامية التي قد تستفيد منها الجماعات من دون تنسيق سياسي معها.
ومن دون هذا النوع من التحقق، فإن وصف موريتانيا بأنها قاعدة خلفية للجماعات المسلحة سيظل ادعاءً يحتاج إلى أدلة إضافية، لا نتيجة يمكن اعتمادها باعتبارها حقيقة ثابتة.
التقدير الأمني :-
تشير المعطيات المتاحة إلى أن غرب مالي والمناطق المتصلة بالحدود الموريتانية تمثل فضاءً مهماً لنشاط جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وشبكاتها اللوجستية والاقتصادية. كما أن اتساع المجال الحدودي والروابط المحلية يوفران ظروفاً يمكن أن تستغلها الجماعات المسلحة وشبكات التهريب.
لكن الأدلة المفتوحة التي تمت مراجعتها لا تكفي لإثبات أن السلطات الموريتانية تقدم دعماً رسمياً أو منظماً لهذه الجماعات. كذلك لا يجوز اعتبار احتمال وجود مسارات عبور أو تسهيل محلي دليلاً قاطعاً على وجود قواعد دائمة أو خطوط إمداد ثابتة داخل موريتانيا. ويتمثل الخطر الأوضح في أن يؤدي استمرار الاتهامات المتبادلة إلى تراجع التعاون الأمني، بما يمنح الجماعات المسلحة فرصة لاستغلال التوترات السياسية والحدودية. وقد تتفاقم التداعيات إذا تكررت حوادث عسكرية داخل مناطق متنازع على تحديد مواقعها، أو تعرض المدنيون للاحتجاز أو القتل، أو تضررت حركة التجارة واللجوء. وعليه، فإن المقاربة الأكثر فاعلية تتمثل في إنشاء آلية مالية موريتانية مشتركة للتحقق من الحوادث الحدودية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية الموثقة، وتحديد إجراءات واضحة للتعامل مع المطاردات العابرة للحدود، إلى جانب حماية المدنيين واللاجئين من الاتهامات الجماعية.
و من هنا في الختام نستطيع القول أنه توجد مؤشرات موثوقة على توسع نشاط الجماعات المسلحة في غرب مالي وعلى قدرتها على تهديد الطرق المتصلة بموريتانيا والسنغال. وهناك مخاوف أمنية معقولة بشأن احتمال استغلال الشبكات العابرة للحدود، لكن لا تتوافر في المصادر التي تمت مراجعتها أدلة مستقلة كافية لإثبات دعم رسمي موريتاني لهذه الجماعات. ويبقى التحقق الميداني وتبادل المعلومات بين باماكو ونواكشوط العامل الحاسم للفصل بين التهديدات الفعلية والاتهامات السياسية.
