اختتم المجلس الأعلى الإسلامي في مالي، اليوم الخميس، في مركز باماكو الدولي للمؤتمرات، أعمال ورشة إقليمية خُصصت لاعتماد الوثيقة الوطنية لتفكيك الخطاب المتطرف، التي تهدف إلى مواجهة السرديات الدينية التي تستند إليها الجماعات الإرهابية لتبرير أعمال العنف، ولا سيما ما يتعلق بمفاهيم الشريعة الإسلامية والولاء والبراء والجهاد.
ونُظمت الورشة، التي انعقدت يومي الأربعاء والخميس 9 و10 سبتمبر 2026 في باماكو، تحت رعاية وزير الشؤون الدينية والعبادة والعادات، وبمشاركة علماء وأئمة وخبراء من مالي وعدد من دول المنطقة، من بينها النيجر وبوركينا فاسو وموريتانيا والمغرب وتشاد.
ويأتي اعتماد الوثيقة في إطار مسار أطلقه المجلس الأعلى الإسلامي في مالي بالتعاون مع وزارة الشؤون الدينية، بهدف تطوير مقاربة دينية وفكرية لمواجهة التطرف العنيف والإرهاب، من خلال تفكيك الأسس والمفاهيم التي تحاول الجماعات المسلحة توظيفها لاستقطاب الشباب وتبرير أعمالها.
تركز الوثيقة على تقديم فهم ديني صحيح لمجموعة من المفاهيم التي تستخدمها الجماعات الإرهابية في خطابها، وفي مقدمتها الشريعة الإسلامية، والولاء والبراء، والجهاد، مع العمل على دحض التأويلات والحجج التي تقدمها التنظيمات المسلحة لتبرير العنف واستهداف المدنيين والمجتمعات المحلية.
ويهدف هذا المسار، وفق منظمي الورشة، إلى تمكين العلماء والمرشدين الدينيين من امتلاك مرجعية واضحة تساعدهم على مواجهة الخطاب المتطرف داخل المساجد والمدارس الدينية والفضاءات المجتمعية، بما يسمح بتقديم خطاب ديني يقوم على قيم السلام والتسامح والتعايش والاعتدال.
ولا تقتصر المبادرة على البعد الفكري، إذ ينظر إليها المجلس الأعلى الإسلامي ووزارة الشؤون الدينية باعتبارها أداة يمكن توظيفها في الوقاية من التطرف العنيف وتعزيز السلم الاجتماعي، خصوصًا في ظل استمرار التهديدات الإرهابية التي تواجه مالي ومنطقة الساحل.
وفي كلمته خلال مراسم اختتام الورشة، أكد وزير الشؤون الدينية والعبادة والعادات الدكتور محمد كوني أن اعتماد وثيقة العلماء يمثل خطوة مهمة في مواجهة التطرف الديني المسلح، مشيدًا بالمجلس الأعلى الإسلامي وأعضاء لجنة إعداد الوثيقة والخبراء الذين شاركوا في صياغتها ومراجعتها.
وقال الوزير إن الوثيقة جاءت نتيجة عملية جمعت فاعلين وطنيين وخبراء دوليين، بهدف الاستفادة من التجارب المختلفة وإعداد مرجعية تراعي الواقع الاجتماعي والثقافي والديني في مالي.
وشدد على أن البلاد تمر منذ سنوات بمرحلة صعبة تتسم بالعنف والتطرف والإرهاب، إلى جانب محاولات مختلفة لتوظيف الدين واستغلاله، مؤكدًا أن مالي بلد ذو تاريخ عريق في الإيمان والعلم والتعايش، وأن تقاليده الدينية تقوم على التسامح والاعتدال والحوار واحترام كرامة الإنسان والسعي إلى السلام.
وأكد الوزير كوني أن التطرف الديني المسلح لا يمكن بأي حال من الأحوال مساواته بالإيمان أو بالممارسة الدينية للمجتمعات المسلمة، كما لا يمكن استخدام الدين ذريعة للعنف ضد السكان أو تدمير الممتلكات أو نشر الكراهية بين المكونات المجتمعية أو المساس بكرامة الأفراد وحقوقهم الأساسية.
ووضع الوزير العلماء والأئمة في صلب جهود الوقاية من التطرف، معتبرًا أن مسؤوليتهم لا تقتصر على الإجابة عن الأسئلة الدينية، وإنما تشمل أيضًا المساهمة في حماية السلم الاجتماعي وتربية الأجيال الجديدة والوقاية من خطاب الكراهية وتعزيز الفهم المتوازن لتعاليم الإسلام.
ودعا إلى تحويل الوثيقة المعتمدة إلى مرجعية عملية للعلماء في مالي في مجال الوقاية من التطرف الديني المسلح ومكافحته، مؤكدًا في الوقت نفسه أن فعاليتها ستتوقف على القدرة على نشرها وتعريف المجتمعات بمضامينها وتحويل مبادئها إلى إجراءات ملموسة.
وقال إن الوثيقة يجب أن تكون وثيقة حية وليست مجرد نص مرجعي، داعيًا إلى وضع آليات للتوعية والتكوين والمتابعة من أجل ضمان وصول مضامينها إلى مختلف المناطق والمجتمعات.
وأكد وزير الشؤون الدينية أن مواجهة التطرف الديني المسلح لا يمكن أن تعتمد على المقاربة الأمنية وحدها، بل يجب أن تكون تربوية واجتماعية وثقافية واقتصادية وروحية ومؤسساتية.
وأشار إلى ضرورة معالجة العوامل التي تجعل بعض الأشخاص، ولا سيما الشباب، أكثر عرضة للتأثر بالخطابات المتطرفة، داعيًا إلى تعزيز التعليم الديني الصحيح، وتنمية التفكير النقدي، وتشجيع الحوار، وتوفير آفاق مستقبلية للشباب.
كما شدد على أهمية الفضاء الرقمي، الذي أصبح أحد أبرز المجالات التي تستخدمها الجماعات المتطرفة لنشر خطابها واستقطاب المتابعين، داعيًا العلماء إلى زيادة حضورهم في وسائل التواصل والمنصات الرقمية لتقديم خطاب ديني واضح ومستنير وقادر على مخاطبة الشباب بلغة العصر.
واكتسبت الورشة طابعًا إقليميًا من خلال مشاركة علماء وخبراء من مالي والنيجر وبوركينا فاسو وموريتانيا والمغرب وتشاد، في خطوة تعكس الرغبة في توسيع التعاون الديني والفكري في مواجهة التطرف في منطقة الساحل.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة بالنسبة إلى دول تحالف دول الساحل، مالي والنيجر وبوركينا فاسو، التي تواجه تهديدات مشتركة من الجماعات المسلحة، وتعمل بالتوازي على تعزيز التعاون الأمني والسياسي بين دول المنطقة.
ومن المنتظر أن تشكل الوثيقة، وفق القائمين على المبادرة، إحدى المرجعيات الدينية والفكرية المساهمة في دعم الأمن والسلام والاستقرار في مالي ومنطقة الساحل، من خلال توحيد جهود العلماء في مواجهة الخطابات التي تحاول إضفاء طابع ديني على أعمال العنف.
وأكد الوزير أن اعتماد الوثيقة لا يمثل نهاية المسار، وإنما بداية مرحلة جديدة تتعلق بتنفيذها، داعيًا المجلس الأعلى الإسلامي والعلماء والمنظمات الدينية والمؤسسات الحكومية والمجتمع المدني والشركاء إلى توحيد الجهود لضمان تطبيقها على المستوى الوطني.
كما دعا إلى تعزيز التعاون بين الفاعلين الدينيين والمؤسسات المكلفة بالوقاية من التطرف العنيف ومكافحته، مع احترام اختصاصات ومسؤوليات كل طرف.
وشدد على أن السلام في مالي لن يكون مستدامًا إلا إذا أصبح مشروعًا تشارك فيه جميع مكونات المجتمع، من العلماء والقيادات التقليدية والنساء والشباب والمجتمع المدني، إلى جانب مؤسسات الدولة.
واختُتمت أعمال الورشة بإعلان اعتماد الوثيقة، وسط تأكيد على ضرورة جعل الخطاب الديني عاملًا في بناء السلام والتماسك الاجتماعي والتعايش، وحماية الشباب من محاولات الاستقطاب والتوظيف الأيديولوجي للدين.
وفي ختام كلمته، أعلن وزير الشؤون الدينية والعبادة والعادات اختتام أعمال ورشة اعتماد ميثاق علماء مالي بشأن التطرف الديني المسلح، مجددًا الأمل في أن تسهم توصياتها ومضامينها في تعزيز الوقاية من التطرف وترسيخ السلام والتماسك الاجتماعي في البلاد.
