تأتي مباحثات رئيس النيجر الفريق أول عبد الرحمن تياني مع سفير السودان لدى نيامي، الدكتور إبراهيم عوض أحمد محمد البارودي، في سياق تحرك ثنائي متسارع بدأ باتصال هاتفي بين تياني ورئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان في 16 سبتمبر/أيلول، تناول العلاقات الثنائية وسبل إعادة تنشيط التعاون، خصوصاً في المجالين الأمني والسياسي.
وبحسب وكالة الأنباء النيجرية، فإن لقاء 18 سبتمبر لم يكن مجرد لقاء دبلوماسي بروتوكولي، وإنما جاء لمتابعة القضايا ذات الاهتمام المشترك، مع تركيز واضح على الدفاع والأمن والتعاون بين البلدين. وأكد السفير السوداني أن المشاورات تأتي امتداداً للتواصل المباشر بين قيادتي البلدين.
دلالة التوقيت:-
يحمل توقيت هذه الاتصالات أهمية خاصة بالنسبة للنيجر. فنيامي تواجه بيئة أمنية معقدة في مناطق الساحل وحوض بحيرة تشاد، كما شهدت البلاد في أواخر أغسطس/آب محاولة تمرد عسكري في محيط قاعدة 101 ومطار ديوري حماني، أعقبتها تغييرات في قيادة القوات المسلحة.
وفي المقابل، يخوض السودان حرباً مستمرة منذ أبريل/نيسان 2023، جعلت قضايا الأمن والحدود وحركة الجماعات المسلحة والتهريب والهجرة غير النظامية أكثر ارتباطاً بالأمن الإقليمي. ومن ثم فإن تعزيز قنوات الاتصال بين المؤسستين العسكريتين والأمنيتين في نيامي والخرطوم يمكن أن يرتبط بتبادل المعلومات والخبرات والتنسيق بشأن التحديات العابرة للحدود، وإن لم تعلن الدولتان حتى الآن عن اتفاق عسكري محدد أو ترتيبات عملياتية مشتركة.
البعد الإقليمي:-
اللافت أن هذا التقارب يأتي بالتوازي مع تحرك أوسع للنيجر باتجاه بناء شبكة علاقات أمنية خارج الشراكات الغربية التقليدية. ففي اليوم نفسه تقريباً، استقبل تياني وفداً من كونفدرالية دول الساحل، ضم مسؤولين عن الدفاع والدبلوماسية من بوركينا فاسو ومالي، في أعقاب أحداث 28–29 أغسطس، وهو ما يعكس أولوية الملف الأمني في السياسة الخارجية النيجرية الحالية.
ومن الجانب السوداني، فإن التواصل مع النيجر يمنح الخرطوم قناة إضافية مع دولة تقع في منطقة الساحل وتمتلك حدوداً ومصالح أمنية متقاطعة مع المجال السوداني، خصوصاً في ظل اتساع نطاق التحديات الأمنية في منطقة الساحل والصحراء.
لكن من المهم التمييز بين التقارب السياسي والأمني وبين وجود اتفاق عسكري فعلي: المعلومات المعلنة حتى الآن تتحدث عن تعزيز التعاون ومتابعة القضايا المشتركة، ولا تتضمن إعلاناً عن قاعدة عسكرية، تحالف دفاعي، نشر قوات، أو عملية عسكرية مشتركة.
و يمكن قراءة لقاء تياني والسفير السوداني باعتباره خطوة في مسار إعادة تنشيط العلاقات النيجرية–السودانية، مع إعطاء الملف الأمني والدفاعي وزناً متزايداً. ويبدو أن الاتصال المباشر بين تياني والبرهان يمثل الإطار السياسي لهذا المسار، بينما يتولى المستوى الدبلوماسي متابعة الملفات التي جرى بحثها بين القيادتين.
وتكمن أهمية التطور في أنه يأتي في وقت تتزايد فيه أهمية التنسيق الأمني بين دول الساحل وحوض تشاد، إلا أن طبيعة التعاون النيجرية–السودانية المقبلة ستتضح بصورة أكبر إذا انتقلت المشاورات من مستوى الاتصالات السياسية إلى اتفاقات محددة في التدريب، تبادل المعلومات، أمن الحدود أو التعاون العسكري.
