بقلم: حسن يوسف زرما
بينما تتجه أنظار المجتمع الدولي نحو بؤر الصراع التقليدية، تتبلور في قلب القارة الإفريقية أزمة وجودية عابرة للحدود، تتجاوز في خطورتها مجرد النزاعات المحلية. إن المشهد اليوم يشير إلى حقيقة مريرة: النزاع السوداني لم يعد شأناً داخلياً، بل تحول إلى “زلزال جيوسياسي” بدأت ارتداداته تضرب بعنف جدران الجارة تشاد، واضعةً النيجر في قلب عاصفة قد تعيد رسم خريطة الساحل الإفريقي بأكمله.
تشاد: “الحاجز العسكري” على حافة الانفجار
لطالما مثلت تشاد “منطقة عازلة” استراتيجية، حيث لعب جيشها المركزي دور الحاجز الصامد في وجه تدفق الجماعات المسلحة وشبكات التهريب العابرة للصحراء. لكن اليوم، وبناءً على قراءات دقيقة للمشهد، تقف تشاد فوق فوهة بركان أمني؛ فالتورط المتزايد للنظام التشادي في تعقيدات الحرب السودانية، وتصاعد حدة الانقسامات الداخلية، يهددان بتفكك هذه المؤسسة العسكرية.
إن سقوط تشاد في فوضى الاقتتال الداخلي لن يعني فقط انهيار نظام سياسي، بل سيعني “تبخر” آخر قوى الردع المركزية التي كانت تحمي الجبهة الشرقية لمنطقة الساحل، مما يخلق فراغاً أمنياً سارعت جماعات مثل “بوكو حرام” وتنظيم الدولة في غرب إفريقيا (ISWAP) لاستكشاف ثغراته بالفعل.
النيجر: الحصار الجغرافي والضحية التالية
تجد النيجر نفسها اليوم أمام تحدٍ وجودي غير مسبوق. فبينما تقاتل نيامي لتأمين حدودها الغربية مع مالي وبوركينا فاسو، وتواجه تهديدات الجنوب من حوض بحيرة تشاد، تبرز الجبهة الشرقية كخاصرة رخوة قد تنفجر في أي لحظة.
إذا ما انهارت تشاد، ستتحول النيجر من دولة “مواجهة للإرهاب” إلى دولة “محاصرة بالفوضى” من جميع الجهات. هذا الحصار لن يكون عسكرياً فحسب، بل بشرياً واقتصادياً؛ حيث من المتوقع تدفق موجات ضخمة من اللاجئين الممزوجين بعناصر مسلحة وشبكات جريمة منظمة، مما يضع ضغطاً هائلاً على البنية التحتية الهشة في مناطقنا الحدودية، ويهدد الاستراتيجيات الوطنية الطموحة مثل “رؤية النيجر 2035”.
عدوى الانقسام واختبار التماسك الوطني
تكمن الخطورة الكبرى في “البعد القبلي والإثني” العابر للحدود. فالتداخل السكاني بين تشاد والنيجر والسودان يجعل من السهل انتقال عدوى الانقسام. إن الحساسيات الاجتماعية داخل النيجر، والتي تغذيها ظروف الفقر وغياب التنمية في الأطراف، قد تجد في الفوضى التشادية-السودانية وقوداً لإحياء نزاعات قديمة. هنا، لا يصبح التهديد مجرد “تسلل مسلحين”، بل “تفكك نسيج مجتمعي” قد يصعب رتقه.
التحذير الأخير:
إن تجاهل المجتمع الدولي والقوى الإقليمية لما يحدث في المثلث (السودان-تشاد-النيجر) هو تكرار للخطأ التاريخي الذي ارتُكب في الخرطوم. إن انهيار تشاد لن يكون كارثة محلية، بل سيكون بمثابة سقوط آخر أحجار الدومينو، مما سيفتح الباب أمام “فوضى قارية” تجعل من منطقة الساحل ساحة مفتوحة لإعادة تشكيل خرائط النفوذ الدولي على أنقاض السيادة الوطنية.
على النيجر، وعلى شركائها في “تحالف دول الساحل”، الاستعداد لسيناريو “ما بعد تشاد”، لأن العاصفة التي بدأت في الخرطوم لن تتوقف عند حدود “أدري” أو “أبشي”، بل تنوي اقتلاع جذور الاستقرار في نيامي وما بعدها.
