بقلم: حسن يوسف زرما

أثار قرار السلطات الغينية إيقاف أنشطة التعدين التقليدي في منطقة سيغيري، شمال شرقي البلاد، وما رافقه من عمليات أمنية واسعة شملت إغلاق مواقع استخراج الذهب ومغادرة آلاف المعدنين الأجانب، بينهم مواطنون من بوركينا فاسو ومالي والصين، تساؤلات بشأن الدوافع الحقيقية وراء القرار، وما إذا كان الأمر يتعلق بتنظيم قطاع التعدين وحماية البيئة، أم أن هناك اعتبارات أمنية أعمق دفعت كوناكري إلى التحرك بهذه الحدة.
ولفهم خلفيات القرار، لا بد من النظر إلى طبيعة منطقة سيغيري وموقعها الجغرافي، فهي ليست مجرد منطقة لإنتاج الذهب، بل تمثل نقطة التقاء بين النشاط الاقتصادي العابر للحدود والتجارة غير الرسمية وحركة العمال والمعدنين القادمين من دول الساحل وغرب أفريقيا، في نطاق جغرافي بات أكثر حساسية مع تصاعد التهديدات الأمنية في جنوب مالي.
أولاً: استعادة السيطرة على اقتصاد الذهب
في الثاني من نوفمبر 2026، أعلنت خمس وزارات غينية، في بيان مشترك، الحظر الكامل لأنشطة استخراج الذهب غير المنظم في منطقة سيغيري، مع نشر دائم لقوات الجيش والدرك والشرطة والجمارك وأجهزة حماية البيئة.وبررت الحكومة القرار بما وصفته بالتدهور البيئي الخطير الناتج عن التعدين العشوائي، وتدمير الأراضي الزراعية والغطاء النباتي، وتلوث مجاري المياه، خصوصاً نهر النيجر ونهر تنكيسو وروافدهما.
كما شملت الإجراءات منع استخدام الجرافات والآليات الثقيلة، والتجريف داخل مجاري الأنهار وعلى ضفافها، واستخدام الزئبق والسيانيد والمتفجرات، إلى جانب تشديد الرقابة على حركة الأشخاص والمعدات والمواد المستخدمة في التعدين ، ولم تقتصر الإجراءات على إغلاق المناجم، بل امتدت إلى مراجعة أوضاع العاملين فيها، والتحقق من هوياتهم وإقاماتهم، وقصر شراء وبيع الذهب المنتج في المنطقة على مراكز تجارية معتمدة.
وتكشف هذه التدابير عن توجه حكومي لإعادة إخضاع قطاع الذهب لرقابة الدولة، بعد سنوات من توسع الأنشطة التعدينية التي شارك فيها آلاف العاملين من جنسيات مختلفة.
ثانياً: التغلغل الأمني لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين
يمثل العامل الأمني أحد أهم الأبعاد التي ينبغي قراءتها في سياق القرار الغيني، خصوصاً أن منطقة سيغيري تقع ضمن نطاق جغرافي قريب من مناطق نشاط الجماعات المسلحة في جنوب مالي، فقد توسع نشاط جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، المرتبطة بتنظيم القاعدة، في جنوب مالي وجنوبها الغربي، واقترب تدريجياً من الحدود الغينية، مستفيداً من طبيعة المناطق الحدودية وشبكات التجارة والتهريب وحركة الأفراد.ومن خلال متابعتي الميدانية وزياراتي المتكررة لمناطق التعدين في هذا النطاق، فإن المسألة لا تتعلق فقط بوجود معدنين أجانب أو مخالفات قانونية، وإنما أيضاً بالمخاطر المرتبطة بتغلغل الشبكات الجهادية داخل اقتصاد الذهب التقليدي.وتتمثل إحدى أخطر صور هذا التغلغل في فرض الإتاوات والجبايات على بعض المعدنين والتجار، تحت ذريعة توفير الحماية وتأمين استمرار أنشطتهم، وهو أسلوب تستخدمه الجماعات المسلحة لتحويل الأنشطة الاقتصادية إلى مصادر تمويل ونفوذ محلي، وتكتسب هذه المعلومات أهمية خاصة عند مقارنتها بما كشفته التحقيقات الأمنية الغينية بشأن شبكات يشتبه في ارتباطها بجماعة نصرة الإسلام والمسلمين في سيغيري ومنديانة وكانكان.
كما أشار تقرير مجموعة الأزمات الأمنية ACLED إلى مؤشرات تسلل وتجنيد واستطلاع وبناء شبكات دعم محلية في مناطق التعدين الغينية القريبة من الحدود المالية.
ومن المهم هنا إدراك أن الجماعات المسلحة لا تحتاج إلى السيطرة العسكرية المباشرة على منجم حتى تستفيد منه؛ إذ يكفي أحياناً أن تفرض نفوذها على طرق الإمداد والتجارة، أو تحصل على إتاوات من العاملين، أو تبني علاقات مع الوسطاء المحليين وتجار الذهب.
وبالتالي، فإن إيقاف التعدين وتشديد الرقابة على حركة الأشخاص والذهب والمعدات يمكن قراءته أيضاً في إطار محاولة قطع المسارات الاقتصادية واللوجستية التي قد تستفيد منها هذه الشبكات.
ثالثاً: لماذا يشكل المعدنون الأجانب مصدر قلق للسلطات؟
تحولت مناطق التعدين التقليدي في شرق غينيا إلى مراكز جذب لآلاف العمال والمستثمرين الصغار من بوركينا فاسو ومالي ودول أخرى، فضلاً عن وجود مصالح تجارية مرتبطة بتجارة الذهب والمعدات.
ومع توسع هذه الأنشطة، أصبح من الصعب على السلطات المحلية ضبط هويات جميع العاملين، والتحقق من قانونية إقاماتهم ومصادر تمويلهم وطبيعة الأنشطة التي يمارسونها.
ولا يعني ذلك أن المعدنين الأجانب يمثلون تهديداً أمنياً في حد ذاتهم، لكن التجمعات الاقتصادية الكبيرة التي تعمل خارج الرقابة الرسمية يمكن أن تتحول إلى بيئة مناسبة لاختراق الشبكات الإجرامية والتهريبية، بما فيها الشبكات المرتبطة بالجماعات المسلحة.
وهنا تتقاطع مسألة الهجرة غير النظامية مع الأمن الاقتصادي والحدودي، وهو ما يفسر شمول الإجراءات جنسيات متعددة، وعدم اقتصارها على البوركينيين وحدهم.
رابعاً: التوترات بين الغينيين والبوركينيين
لا يمكن إغفال البعد الاجتماعي في تفسير ما حدث، فقد شهدت بعض مناطق التعدين احتكاكات وخلافات بين المعدنين الغينيين والأجانب، ومن بينهم مواطنون بوركينيون، نتيجة التنافس على مواقع استخراج الذهب والموارد الاقتصادية.وتتداخل هذه الخلافات مع قضايا ملكية الأراضي، وحقوق المجتمعات المحلية، والتراخيص، والعمالة الأجنبية، ومدى استفادة السكان المحليين من الثروة المعدنية الموجودة في مناطقهم.كما أن توسع التعدين غير المنظم يخلق أحياناً اقتصاداً موازياً تستفيد منه شبكات تجارية ووسطاء، بينما تتحمل المجتمعات المحلية تكاليف التدهور البيئي والضغط على الموارد الطبيعية.ومن ثم، فإن القرار الغيني يحمل أيضاً رسالة تتعلق بإعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والمجتمعات المحلية والعاملين الأجانب في قطاع الذهب.
خامساً: لماذا شملت الإجراءات الصينيين والماليين أيضاً؟
إن شمول المواطنين الصينيين والماليين إلى جانب البوركينيين يكشف أن العملية ليست مجرد إجراء يستهدف جنسية بعينها أو رداً على خلاف ثنائي مع بوركينا فاسو.فقد اتجهت السلطات إلى إغلاق مواقع التعدين غير المنظم ومراجعة أوضاع جميع العاملين، بغض النظر عن جنسياتهم، مع إخضاع المعدات والأنشطة التجارية والذهب المنتج لرقابة أكثر صرامة.
وهذا يعكس رغبة كوناكري في إعادة تنظيم قطاع استراتيجي يمثل أحد أهم مصادر الثروة الوطنية، والحد من الأنشطة التي لا تخضع للرقابة القانونية والمالية.كما أن وجود مصالح أجنبية في قطاع الذهب، بما فيها المصالح الصينية، يجعل عملية إعادة التنظيم ذات أبعاد اقتصادية تتجاوز مجرد إبعاد العمالة المخالفة.
سادساً: تداعيات القرار على مالي وبوركينا فاسو
لم تبق آثار القرار داخل الحدود الغينية، إذ أدى إغلاق مواقع التعدين إلى حركة مغادرة واسعة للمعدنين الأجانب باتجاه مالي، التي تحولت إلى نقطة عبور رئيسية لعدد من المغادرين قبل عودتهم إلى بلدانهم.وأعلنت السلطات البوركينية تحركات لتنظيم عودة مواطنيها وتوفير المساعدة لهم، فيما أعلنت السلطات المالية استعدادها لاستقبال الوافدين وتنسيق إجراءات نقلهم إلى بلدانهم الأصلية.وأثار الملف كذلك انتقادات من مسؤولين بوركينيين بشأن ظروف مغادرة بعض مواطنيهم، وما تعرضوا له من معاملة وإصابات، وهي ادعاءات تحتاج إلى توثيق مستقل.ويكشف ذلك أن القرار الغيني لم يعد مجرد عملية تنظيم داخلي لقطاع التعدين، بل تحول إلى قضية إقليمية تتصل بحرية تنقل العمالة، والعلاقات بين دول المنطقة، وإدارة الحدود والتعاون الأمني.
تعليق : قرار تتداخل فيه البيئة والاقتصاد والأمن
من الصعب اختزال قرار غينيا في سبب واحد، فهناك أزمة بيئية حقيقية مرتبطة بالتعدين العشوائي، ومشكلة اقتصادية تتعلق بخروج جزء كبير من نشاط الذهب عن الرقابة الرسمية، إلى جانب توترات اجتماعية ومخاوف أمنية متزايدة على الحدود مع مالي.
لكن البعد الأمني يستحق اهتماماً خاصاً، في ظل توسع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في جنوب مالي، وظهور مؤشرات على بناء شبكات مرتبطة بها في محيط مناطق التعدين الغينية.
ومن هذا المنظور، يمكن قراءة إغلاق المناجم التقليدية باعتباره محاولة لإعادة فرض سلطة الدولة على منطقة استراتيجية، والحد من اقتصاد غير رسمي قد تستفيد منه شبكات التهريب والجماعات المسلحة.
ويبقى التحدي أمام كوناكري هو الانتقال من الإغلاق الأمني المؤقت إلى بناء نظام تعدين منظم يضمن حقوق المجتمعات المحلية، ويحافظ على البيئة، ويمنع استغلال الثروة المعدنية في تمويل أنشطة تهدد أمن البلاد والمنطقة.
التقدير الأمني:-
يمثل شرق غينيا إحدى المناطق التي تستحق مراقبة أمنية متزايدة، بسبب تقاطع النشاط التعديني والتهريب والتجارة الحدودية مع توسع نفوذ جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في جنوب مالي.
وتكمن الخطورة في إمكانية تحول شبكات التعدين التقليدي إلى قنوات للجباية والتمويل والإمداد اللوجستي، بما يمنح الجماعات المسلحة قدرة على بناء نفوذ اقتصادي واجتماعي دون الحاجة إلى السيطرة العسكرية المباشرة على الأراضي.
ومن المرجح أن تتجه السلطات الغينية إلى تشديد الرقابة على المناجم والطرق الحدودية وتجارة الذهب، باعتبار ذلك جزءاً من استراتيجية استباقية لمنع انتقال التهديد الأمني من مالي إلى عمق الأراضي الغينية.
