بقلم- حسن يوسف زرما
تشير حصيلة الهجمات المسلحة خلال النصف الأول من عام 2026 إلى أن منطقة غرب أفريقيا لا تزال تشهد تصاعدًا في النشاط المسلح، مع استمرار الجماعات الجهادية والمتمردة في توسيع نطاق عملياتها واستغلال هشاشة الأوضاع الأمنية في عدد من الدول.ووفقًا لإحصاءات تستند إلى مصادر محلية وإعلانات تبنٍ صادرة عن الجماعات المسلحة، تم تسجيل 624 هجومًا في أربع دول هي بوركينا فاسو ومالي والنيجر ونيجيريا خلال الفترة من يناير إلى يونيو 2026، وهو رقم يعكس استمرار التهديد الأمني رغم العمليات العسكرية المكثفة التي تنفذها حكومات المنطقة.بوركينا فاسو.. مركز الثقل الجديدتصدرت بوركينا فاسو قائمة الدول الأكثر تعرضًا للهجمات، بتسجيل 264 هجومًا، منها 253 هجومًا تبنتها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) مقابل 11 هجومًا تبناها تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى (EIGS).وتؤكد هذه الأرقام أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين لا تزال الفاعل العسكري الأكثر نشاطًا في البلاد، وأنها نجحت في الحفاظ على زمام المبادرة العملياتية، خاصة في المناطق الريفية، مع اعتمادها على الهجمات المتكررة ضد المواقع العسكرية ومحاور الإمداد.مالي.. تعدد الفاعلين وتعقيد المشهدشهدت مالي 181 هجومًا خلال الفترة نفسها، توزعت بين 146 هجومًا تبنتها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، و24 هجومًا تبنتها جبهة تحرير أزواد (FLA)، إضافة إلى 11 هجومًا تبناها تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى.وتبرز هذه المعطيات خصوصية المشهد المالي، حيث تتداخل الصراعات بين الجماعات الجهادية والحركات المسلحة ذات الطابع الانفصالي، ما يجعل البيئة الأمنية أكثر تعقيدًا مقارنة ببقية دول الساحل.النيجر.. تعدد مصادر التهديدفي النيجر، سُجلت 82 هجومًا توزعت بين خمس جماعات مختلفة، حيث تصدر تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى المشهد بـ42 هجومًا، تلاه JNIM بـ20 هجومًا، ثم لاكوراوا وبوكو حرام بسبعة هجمات لكل منهما، بينما تبنى تنظيم داعش في غرب أفريقيا (ISWAP) ستة هجمات.ويعكس هذا التوزيع تعدد بؤر التهديد داخل النيجر، إذ تواجه البلاد في الوقت نفسه ضغوطًا على حدودها مع مالي وبوركينا فاسو من جهة، ومع حوض بحيرة تشاد من جهة أخرى، فضلًا عن ظهور جماعات محلية مثل لاكوراوا.نيجيريا.. استمرار تهديد حوض بحيرة تشادأما في نيجيريا، فقد تم تسجيل 97 هجومًا، كان النصيب الأكبر منها لتنظيم داعش في غرب أفريقيا (ISWAP) بـ73 هجومًا، يليه بوكو حرام بـ15 هجومًا، ثم لاكوراوا بسبعة هجمات، فيما تبنت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين هجومين.وتؤكد هذه الأرقام أن شمال شرق نيجيريا لا يزال يمثل معقلًا رئيسيًا لتنظيم داعش في غرب أفريقيا، مع استمرار المنافسة بينه وبين بوكو حرام، في حين يشير ظهور لاكوراوا إلى توسع خارطة التهديد في الشمال الغربي.قراءة استراتيجيةتكشف هذه الإحصاءات عن عدة مؤشرات استراتيجية مهمة:أولًا: ما تزال جماعة نصرة الإسلام والمسلمين الفاعل الأكثر نشاطًا في منطقة الساحل، إذ تبنت 421 هجومًا من أصل 624، أي ما يقارب ثلثي الهجمات المسجلة، وهو ما يعكس قدرتها على الحفاظ على حضورها العملياتي رغم الضغوط العسكرية.ثانيًا: يواصل تنظيم الدولة الإسلامية، سواء عبر فرعه في الصحراء الكبرى أو غرب أفريقيا، ترسيخ وجوده في النيجر ونيجيريا، مستفيدًا من الحدود المفتوحة وصعوبة السيطرة على المناطق النائية.ثالثًا: يؤكد ظهور لاكوراوا في كل من النيجر ونيجيريا أن الجماعات المسلحة المحلية أصبحت جزءًا من المشهد الأمني الإقليمي، ولم تعد التهديدات تقتصر على التنظيمات الجهادية التقليدية.رابعًا: تكشف الأرقام عن انتقال مركز الثقل الأمني في غرب أفريقيا نحو المثلث الحدودي بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر، الذي بات يمثل بؤرة رئيسية للنشاط المسلح، مع امتداد تأثيره إلى شمال نيجيريا.الخاتمة:-تشير حصيلة النصف الأول من عام 2026 إلى أن الجماعات المسلحة ما زالت تحتفظ بقدرة عالية على تنفيذ عمليات متزامنة في أكثر من ساحة، الأمر الذي يعكس أن المواجهة في غرب أفريقيا لم تعد تقتصر على القضاء على جماعة بعينها، بل أصبحت مواجهة مع شبكة معقدة من الفاعلين المسلحين ذوي الأهداف والقدرات المختلفة.وتبرز هذه المعطيات الحاجة إلى استراتيجية إقليمية متكاملة تجمع بين التنسيق الاستخباراتي، وتعزيز أمن الحدود، وحرمان الجماعات المسلحة من مصادر التمويل والتجنيد، إلى جانب معالجة العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي تستغلها تلك الجماعات لترسيخ نفوذها في المناطق الهشة.
