شهدت مالي خلال الأسبوع الأخير تطورات أمنية وميدانية متسارعة أعادت ملف الاستقرار في البلاد إلى واجهة الاهتمام الإقليمي. فبعد فترة حاولت فيها السلطات العسكرية في باماكو ترسيخ صورة استعادة الدولة لزمام المبادرة، ظهرت مؤشرات على عودة التصعيد عبر تعدد الهجمات المسلحة، وتزايد الضغط على القوات المالية وحلفائها، إلى جانب استمرار التوتر في المناطق الشمالية.
ولا تعكس التطورات الأخيرة مجرد حوادث أمنية منفصلة، بل تشير إلى تعقيد المشهد المالي، حيث تتداخل المواجهة بين الدولة والجماعات المسلحة مع صراعات سياسية، وتنافس على النفوذ والموارد، وتغيرات في التحالفات الإقليمية.
أولاً: ماذا يحدث في مالي حالياً؟
تشهد مالي حالياً ثلاثة مسارات متزامنة:
1- تصاعد النشاط المسلح.
تواجه القوات المالية ضغطاً متزايداً من جماعات مسلحة تنشط في مناطق مختلفة، أبرزها:
1/ جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM).
2/ تنظيم الدولة في الساحل.
3/ الحركات المسلحة الأزوادية في الشمال.
وتعتمد هذه الجماعات على تكتيكات تقوم على الكمائن و استهداف الأرتال العسكرية مع زرع العبوات الناسفة.
بالإضافة إلى الهجمات السريعة على المواقع المعزولة.
2- أزمة السيطرة على المناطق الطرفية.
رغم تمكن الجيش المالي من تعزيز وجوده في بعض المدن والمراكز الاستراتيجية، فإن السيطرة على المناطق الريفية والصحراوية ما زالت تمثل تحدياً كبيراً.
وتكمن المشكلة في أن السيطرة العسكرية لا تعني بالضرورة وجود إدارة مدنية مع تقديم خدمات و ضمان ولاء السكان.
وهذا يسمح للجماعات المسلحة بالحفاظ على نفوذ محلي متغير.
3- اختبار نموذج السلطة العسكرية
منذ وصول المجلس العسكري إلى السلطة، اعتمدت باماكو على مشروع يقوم على استعادة السيادة و إنهاء النفوذ الفرنسي.
مع بناء شراكات جديدة، خصوصاً مع روسيا.
لكن استمرار الهجمات يضع هذا النموذج أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع الدولة تحويل التفوق العسكري إلى استقرار طويل المدى؟
ثانياً: أبرز التطورات الأخيرة
1- عودة الضغط في الشمال
يمثل شمال مالي مركزاً رئيسياً للتوتر بسبب اتساع المساحة الصحراوية.
و قربه من الحدود الجزائرية والنيجرية.
مع وجود الحركات الأزوادية تاريخياً.
بالإضافة إلى عودة النشاط المسلح في هذه المنطقة تعني أن ملف أزواد لم يُغلق، وأن التوتر بين المركز والأطراف ما زال قائماً.
2- استمرار توسع JNIM
تواصل الجماعة تطوير أسلوب عملها من خلال الانتشار في مناطق جديدة.
و استغلال ضعف الإدارة الحكومية لبناء شبكات محلية.
و الضغط على طرق الإمداد.
وتكمن خطورتها في قدرتها على العمل خارج مناطق تمركزها التقليدية.
3- تحديات الشراكة الروسية
يمثل وجود الفيلق الافريقي الروسية عنصراً أساسياً في استراتيجية باماكو.
لكن استمرار الهجمات يطرح تساؤلات حول قدرة القوة الروسية على مواجهة حرب العصابات و مدى قدرتها على حماية المناطق الواسعة.
لتأثير العمليات العسكرية على السكان المحليين.
ثالثاً: خلفيات وأسباب التصعيد
1- طبيعة الحرب غير التقليدية.
المشكلة الأساسية أن مالي لا تخوض حرباً تقليدية يمكن حسمها بالسيطرة على المدن، بل تواجه جماعات تعتمد علىالمرونة.
و الحركة المستمرة مع الاندماج داخل البيئة المحلية.
2- الفراغ الإداري في المناطق النائية.
تستفيد الجماعات المسلحة من ضعف حضور الدولة في بعض المناطق بسبب ضعف الخدمات و الفقر و النزاعات المحلية مع غياب مؤسسات الدولة.
3- صراع النفوذ والموارد.
لم يعد الصراع مرتبطاً فقط بالأيديولوجيا، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بـمناطق التعدين كالذهب التقليدي و طرق التهريب الصحراوية عبر شبكات التجارة غير الرسمية.
فالسيطرة على الموارد تمنح الجماعات المسلحة مصادر تمويل واستمرار.
4- تعقيد ملف الشمال.
أدى تراجع المسار السياسي بين الحكومة والحركات الأزوادية إلى إعادة فتح ملفات الحكم المحلي و الهوية بالإضافة إلى توزيع السلطة والثروة.
وهذا يزيد من تعقيد الوضع الأمني.
رابعاً: السيناريوهات المحتملة خلال الفترة المقبلة
السيناريو الأول: احتواء التصعيد.
الاحتمال: متوسط
في حال تمكنت الدولة من تحسين العمل الاستخباراتي و حماية الطرق.
لوتعزيز الإدارة المحلية.
السيناريو الثاني: توسع الجماعات المسلحة.
الاحتمال: قائم
قد يؤدي إلى زيادة الهجمات و توسيع مناطق النفوذ.
مع زيادة الضغط على المدن.
السيناريو الثالث: الجمود والاستنزاف الطويل.
الاحتمال: مرتفع
وهو السيناريو الأكثر واقعية حالياً هو أن الدولة تحتفظ بالمدن والمراكز الكبرى.
و الجماعات المسلحة تتحرك في المناطق الريفية والصحراوية.
ما استمرار الحرب دون حسم.
السيناريو الرابع: عودة المسار السياسي
الاحتمال: ضعيف حالياً
لكنه قد يصبح مطروحاً إذا أدركت الأطراف أن الحسم العسكري الكامل غير ممكن.
خامساً: الانعكاسات على مالي والمنطقة
1- على تحالف دول الساحل (AES)
أي تدهور في مالي يؤثر مباشرة على صورة التحالف، باعتبار مالي الدولة الأكثر تأثيراً داخله.
2- على النيجر وبوركينا فاسو
قد يؤدي التصعيد إلى زيادة الضغط على الحدود.
و توسع حركة المقاتلين مع نشاط أكبر لشبكات التهريب.
3- على الجزائر وموريتانيا
استمرار عدم الاستقرار شمال مالي يرفع المخاطر بسبب الحدود الطويلة مع طرق التهريب و تحركات الجماعات المسلحة.
من هنا يتبين أن تواجه مالي اليوم اختباراً استراتيجياً يتجاوز مجرد ارتفاع عدد الهجمات؛ فالمعركة الحقيقية تدور حول قدرة الدولة على تثبيت نفوذها خارج المدن، وتحويل العمليات العسكرية إلى استقرار سياسي واجتماعي.
المؤشرات الحالية تشير إلى أن الصراع يتجه نحو مرحلة استنزاف طويلة ما لم يحدث تحول كبير في أحد المسارات الثلاثة:
1/ نجاح أمني واسع للقوات الحكومية.
2/ تسوية سياسية مع القوى المحلية.
3/ تغير في قدرة الجماعات المسلحة على التوسع.
وبالتالي فإن مستقبل مالي خلال الأشهر المقبلة سيكون عاملاً حاسماً في تحديد اتجاه أزمة الساحل بأكمله.
اعداد:حسن يوسف زرما مراسل براون لاند غرب أفريقيا
