تواصل القوات المسلحة المالية تكثيف عملياتها ضمن عملية «دوغوكولوكو»، في محاولة لاستعادة زمام المبادرة بعد أسابيع شهدت تصعيدًا واضحًا من الجماعات المسلحة، خصوصًا في وسط البلاد وشمالها.
وفي أحدث بياناتها، تحدثت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة المالية عن ضربات استهدفت مواقع ومجموعات مسلحة في محاور سيفاري وديورا وتيساليت، اعتمادًا على عمليات الرصد والاستطلاع وجمع المعلومات الاستخباراتية.
لكن قراءة هذه الضربات لا ينبغي أن تقتصر على كونها سلسلة من العمليات الجوية المنفصلة. فالمهم في هذه المرحلة هو فهم ما تقوله هذه العمليات عن طبيعة الحرب نفسها، وعن محاولة الجيش المالي الانتقال من رد الفعل إلى ملاحقة شبكات الجماعات المسلحة ومصادر إمدادها.
من ديورا إلى سيفاري.. الجيش يحاول استعادة المبادرة:-
تأتي الضربات الأخيرة بعد معارك عنيفة في منطقة ديورا، استمرت لأكثر من أسبوع، وانتهت بعملية لإجلاء وحدتين من القوات المالية كانت تتمركز في الحامية. واعترفت هيئة الأركان بمقتل عدد من العسكريين، دون تقديم حصيلة نهائية، كما تحدثت عن استمرار عمليات البحث والإنقاذ.
وفي المقابل، قالت مصادر أخرى إن خسائر الجيش في هجوم ديورا كانت أكبر بكثير، إذ تحدثت رويترز عن أكثر من 100 قتيل، بينما أعلنت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين أرقامًا أعلى بشأن القتلى والأسرى، وهي أرقام لم يتم التحقق منها بشكل مستقل.
هذه النقطة مهمة، لأن الضربات الجديدة تأتي في أعقاب ضربة كبيرة تعرضت لها القوات المالية، وبالتالي فإن استمرار العمليات الجوية والبرية يحمل هدفًا عسكريًا واضحًا: منع الجماعات المسلحة من تحويل نجاحها في ديورا إلى زخم ميداني يمتد إلى مناطق أخرى.
سيفاري.. أهمية الموقع أكبر من حجم الضربة:-
في شمال شرق سيفاري، قالت هيئة الأركان إن المعلومات الاستخباراتية سمحت بتحديد تجمع لعناصر مسلحة كانت مختبئة تحت غطاء نباتي، قبل استهداف الموقع.
قد تبدو العملية محدودة من حيث الحجم، لكن اختيار سيفاري له أهمية خاصة.
فالمنطقة تمثل عقدة عسكرية ولوجستية مهمة في وسط مالي، كما أن مطار سيفاري تعرض في الأيام الماضية لهجمات نسبت إلى جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، ما يؤكد أن الجماعات المسلحة تحاول الضغط على المنشآت العسكرية والمطارات التي تعتمد عليها القوات المالية في عملياتها.
وبالتالي فإن مراقبة محيط سيفاري واستهداف التجمعات المسلحة المحتملة قبل تحولها إلى قوة مهاجمة يمثل جزءًا من معركة أوسع لحماية خطوط الإمداد ومراكز انتشار القوات.
ديورا.. المعركة لم تنته بانسحاب القوات:-
في ديورا، تحدث الجيش عن استهداف مركبة مدرعة تابعة للجماعات المسلحة بين سيتيك وكولوغيري.
وهنا تظهر إحدى السمات المهمة للمرحلة الحالية: المعركة لم تعد محصورة داخل الحامية العسكرية.
فبعد المعارك التي شهدتها ديورا، أصبحت عمليات الملاحقة والاستطلاع ضرورية لمنع المهاجمين من الانسحاب بما استولوا عليه من أسلحة ومعدات، أو إعادة تنظيم صفوفهم في المناطق المحيطة.
وهذا يفسر استمرار عمليات الاستطلاع بعد تنفيذ الضربات. فالهدف ليس فقط تدمير موقع محدد، وإنما معرفة ما إذا كانت القوة المستهدفة جزءًا من شبكة أكبر، وما إذا كانت هناك مواقع بديلة أو طرق إمداد ومخابئ قريبة.
تيساليت.. استهداف اللوجستيات بدلًا من مطاردة المقاتلين فقط:-
في جنوب غرب تيساليت، أعلنت هيئة الأركان في 18 سبتمبر استهداف عدة مواقع وصفتها بأنها ملاذات آمنة، وكانت تحتوي على معدات عسكرية وإمدادات لوجستية.
وهذه ربما تكون من أهم النقاط في البيان الأخير.
الجماعات المسلحة في منطقة الساحل لا تعتمد فقط على المقاتلين الموجودين في الخطوط الأمامية. قدرتها على الاستمرار مرتبطة بشبكة من المركبات والوقود والذخائر والمخابئ ونقاط التجمع وطرق الحركة.
ولهذا فإن ضرب المخازن والمواقع اللوجستية يمكن أن يكون أكثر تأثيرًا على المدى المتوسط من استهداف مجموعة صغيرة من المقاتلين.
وكانت بيانات سابقة للجيش المالي قد تحدثت أيضًا عن استهداف مواقع لوجستية ومخابئ ومعدات في ديورا وموندورو وتيساليت ضمن العملية نفسها.
هل تغيرت طريقة عمل القوات المالية؟:-
المؤشر الأبرز في البيانات الأخيرة هو تكرار الحديث عن المعلومات الاستخباراتية و المراقبة و الاستطلاع ثم التقييم بعد الضربة ، وهذا يشير إلى محاولة بناء دورة عملياتية أكثر انتظامًا كجمع معلومة عبر استطلاع و تحديد الهدف ثم تقييم ثم ضربة مع مراقبة النتائج.
إذا كانت هذه الدورة تعمل بكفاءة فعلية على الأرض، فإنها تمنح القوات المالية قدرة أكبر على استهداف تجمعات صغيرة ومخابئ متنقلة بدل انتظار الجماعات المسلحة حتى تهاجم قاعدة أو قافلة.
لكن هناك فرق بين نجاح الضربة ونجاح العملية العسكرية.:-
تدمير موقع أو مركبة لا يعني بالضرورة القضاء على الشبكة التي تقف خلفها. الجماعات المسلحة في الساحل أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على الانتقال، وإخفاء المعدات، وإعادة تشكيل الخلايا بعد الضربات.
ولهذا سيكون الاختبار الحقيقي خلال الأسابيع المقبلة: هل ستنخفض الهجمات في المناطق التي استهدفتها عملية دوغوكولوكو، أم ستنتقل الجماعات المسلحة إلى مناطق أخرى؟
العامل الأكثر أهمية: ما بعد الضربة:-
الجيش المالي نفسه يشير إلى استمرار عمليات البحث والاستطلاع لتقييم نتائج الضربات والبحث عن تهديدات متبقية. وهذه نقطة عسكرية مهمة. فالضربة الجوية قد تحقق تفوقًا تكتيكيًا، لكنها لا تفرض سيطرة دائمة على الأرض. السيطرة تحتاج إلى قوات برية قادرة على الوصول إلى المناطق المستهدفة، وتأمين الطرق، ومنع عودة المقاتلين، وحماية السكان، ومتابعة شبكات الإمداد.
ومن هنا فإن نجاح عملية دوغوكولوكو لن يقاس بعدد الضربات التي تعلن عنها هيئة الأركان، وإنما بقدرتها على تحويل هذه الضربات إلى نتائج ميدانية مستمرة.
التعاون مع الشركاء.. عامل حاضر في المعركة؛-
بيانات الجيش المالي تؤكد استمرار العمليات بدعم من الشركاء، في وقت أصبح فيه التعاون مع روسيا جزءًا أساسيًا من المنظومة الأمنية الجديدة في مالي.
لكن وجود الشريك العسكري لا يلغي التحدي الأساسي أمام القوات المالية: بناء قدرة مستقلة ومستدامة على جمع المعلومات، وحماية الحاميات، وتأمين الطرق، وإدارة الانتشار في مساحة جغرافية واسعة.
وتكشف معركة ديورا تحديدًا أن امتلاك الطيران والقدرة على تنفيذ ضربات لا يمنع بالضرورة تعرض الحاميات لهجمات كبيرة، ولذلك فإن القوة الجوية تحتاج إلى أن تكون جزءًا من منظومة استطلاع وإسناد وإمداد بري متكاملة.
و في الختام نستطيع القول أن الضربات الأخيرة في سيفاري وديورا وتيساليت تظهر أن الجيش المالي يحاول استعادة زمام المبادرة بعد مرحلة من الضغط الميداني المتزايد.
لكن من المبكر اعتبار هذه الضربات تحولًا حاسمًا في الحرب. حيث المؤكد أن القوات المالية كثفت استخدام الاستطلاع والمعلومات الاستخباراتية والضربات الجوية ضد التجمعات والمركبات والمواقع اللوجستية. وفي المقابل، ما زالت الجماعات المسلحة قادرة على شن هجمات كبيرة وإلحاق خسائر بالقوات الحكومية، كما أظهرت معارك ديورا وسيفاري خلال سبتمبر.
لذلك فإن المرحلة المقبلة ستكون اختبارًا لقدرة الجيش المالي على الانتقال من ضرب الأهداف إلى تفكيك الشبكات التي تنتج هذه الأهداف.
وهنا تحديدًا ستتحدد قيمة عملية دوغوكولوكو: ليس بعدد البيانات العسكرية التي تصدر عنها، وإنما بقدرتها على تغيير ميزان الحركة على الأرض، وحرمان الجماعات المسلحة من إعادة بناء قدراتها بعد كل ضربة.
