لم تكن زيارة وزير الخارجية التشادي الدكتور عبد الله صابر فضل إلى ياوندي يوم الجمعة مجرد تقليد دبلوماسي عابر، ولا كانت الرسالة التي حملها من المشير محمد إدريس ديبي إتنو إلى الرئيس بول بيا مجرد تحية بروتوكولية.
إنها لحظة مكاشفة سياسية بين عاصمتين تدركان أن مصيرهما الأمني والاقتصادي بات معقوداً بخيط واحد، وأن رفاهية شعبيهما لم تعد تحتمل ترف الخلافات الصامتة.
*أولاً: الطاقة عصب التحالف*
حين يضم الوفد التشادي وزيرة المناجم والبترول فاطمة حرم أصيل، ومدير هيئة تنظيم النفط حسن آدم يونسمي، فالرسالة واضحة: النفط التشادي لا يعبر إلى البحر إلا عبر الأنبوب الكاميروني. وأي اضطراب في كريبي يعني شللاً لميزانية أنجمينا. بالمقابل، الكاميرون تدرك أن رسوم العبور وضرائب الشركات تشكل رافعة مهمة لاقتصادها. إذن، نحن أمام شراكة حتمية، لا خيار فيها للعواطف.
*ثانياً: الأمن… التهديد المشترك*
من بوكو حرام في حوض بحيرة تشاد إلى تداعيات أزمة السودان على الحدود الشرقية، وصولاً إلى القرصنة في خليج غينيا، يواجه البلدان عدواً عابراً للحدود. لا تستطيع أنجمينا أن تؤمن خاصرتها الغربية دون تنسيق استخباراتي مع ياوندي، ولا تستطيع الكاميرون أن تضبط أقصى شمالها دون غطاء تشادي. فالأمن هنا ليس ملفاً ثنائياً، بل شرط بقاء.
*ثالثاً: ما وراء الكلمات الدبلوماسية*
الحديث عن “تعزيز الشراكة الاستراتيجية” جميل في البيانات، لكن اختباره الحقيقي على الأرض: هل ستسرّع الكاميرون إجراءات العبور الجمركي للبضائع التشادية؟ هل ستلتزم تشاد بدفع متأخرات الشركات الكاميرونية العاملة لديها؟ هل سنشهد مناورات عسكرية مشتركة لا بيانات شجب مشتركة؟
*الخلاصة: براغماتية لا شعارات*
على أنجمينا وياوندي أن تنتقلا من دبلوماسية الرسائل إلى دبلوماسية المشاريع. خط سكة حديد جديد، منطقة صناعية حدودية، وحدة مكافحة إرهاب مشتركة، هي ما سيقنع المواطن التشادي والكاميروني بأن هذه اللقاءات في قصر الوحدة ليست مجرد صور للذكرى.
فالتاريخ المشترك وحسن الجوار لم يعودا كافيين. في زمن الأزمات، البقاء للأكثر قدرة على تحويل الجغرافيا إلى منفعة، والتهديد إلى فرصة.
والكرة الآن في ملعب الحكومتين.
