تظهر قراءة التحولات الميدانية والسياسية في دول كونفدرالية الساحل (AES) أن احتمالية تكرار محاولات التمرد أو الانقلابات العسكرية تظل قائمة بدرجات متفاضلة، بيد أنها لا تعني بالضرورة تحقق سيناريو “الانقلاب الناجح” أو تغيير السلطة السياسية.
إن المسار الأرجح على المدى القريب (المدى القصير والمتوسط) يتجه نحو ظهور تحركات فئوية محدودة داخل القوات المسلحة، أو اتساع حدة التنافس بين أجنحة السلطة العسكرية، بدلاً من سيناريو الانقلاب التقليدي الشامل المستند إلى كتلة عسكرية صلبة وموحدة.
أولاً: خريطة توزيع المخاطر بين دول الساحل الثلاث
1. النيجر (المستوى الأعلى خطورة على المدى القريب): تأتي النيجر في صدارة الدول المعرضة للاضطرابات العسكرية الداخلية؛ ليس بسبب ضعف قبضة السلطة الأمنية، بل لأن المعطيات الميدانية لمحاولة أغسطس 2026 أظهرت وجود قابليات تنظيمية لظهور حركة تمرد تتمتع بجرأة عملياتية من داخل أجهزة المؤسسة العسكرية نفسها.
2. مالي (مخاطر اضطراب هيكلي مرتبطة بالضغط الميداني): تأتي مالي في المرتبة الثانية؛ حيث يتصل خطر الانقلاب الداخلي بالضغط الميداني والعسكري المتصاعد الذي تمارسه الجماعات المسلحة (JNIM وحركات أزواد) على مراكز السيطرة، مما يولد ارتدادات واحتجاجات داخل القواعد العسكرية والضباط الميدانيين.
3. بوركينا فاسو (مخاطر صراع الأجنحة وعمودية السلطة): يبدو خطر الانقلاب التقليدي في بوركينا فاسو أقل نسبياً مقارنة بجارتيها، غير أن خطر الصراع الداخلي بين الوحدات الخاصة وإعادة تشكيل موازين القوة داخل بنية النظام يبقى تحدياً قائماً ومحتدماً.
ثانياً: الحالة النيجريّة
تُمثل النيجر الحالة الأكثر حساسية واستعداداً للاضطراب في المرحلة الحالية. لم تكن محاولة أغسطس 2026 مجرد سخط عسكري عابر أو احتجاج فئوي، بل شملت استهدافاً حيوياً لمنشآت ومواقع ذات قيمة استراتيجية، مما يعكس وجود شبكات تنظيمية متوارية داخل بنية الدفاع والشرطة.
المؤشرات الخمسة الحاكمة لرصد مسار التهديد في النيجر:-
1/ مؤشر الانضباط العسكري وعصيان الوحدات
أ/ الواقع القائم: أظهرت محاولة أغسطس أن حالة السخط لم تعد تقتصر على الاحتجاج الفردي، بل امتدت لتشمل تكتلات داخل وحدات نوعية قادرة على التخطيط واستهداف مواقع ذات قيمة استراتيجية في العاصمة نيامي ومحيطها.
ب/ الأثر الميداني: فرضت القيادة تشديداً أمنياً مكثفاً وإعادة انتشار لحرس المجلس الوطني لحماية الوطن (CNSP) والوحدات الخاصة حول المقرات الحيوية والمطارات. غير أن هذا الانتشار المكثف أدّى إلى حالة من التوجس والشرخ التنظيمي بين “وحدات الحماية الرئاسية والملاذ الأول” وبقية القواعد العسكرية والوحدات الميدانية.
ج/ النمط المستقبلي: إن الرقابة الصارمة فرضت على الخلايا المعارضة داخل الجيش التحول من العلن أو التجميع التقليدي إلى “تكتيك الخلايا المغلقة”، حيث أصبحت تحركات العصيان المحتملة تعتمد على التنسيق السري شديد الضيق لتفادي الرصد الاستخباراتي الداخلي قبل ساعة الصفر.
3/ الفجوة الاستراتيجية وإدارة ملف الحرب (ضغط المحاور الثلاثية)
أ/ الواقع القائم: تزامنت الأزمة السياسية والعسكرية في نيامي مع تصاعد قياسي في معدلات الهجمات المسلحة خلال الربع الثاني ومنتصف عام 2026، وتحديداً على المحاور الثلاثة الحساسة: تيلابيري (ضغوط JNIM وداعش، تاهوا، وخليج ديفا (بوكو حرام وداعش غرب أفريقيا.
ب/ معضلة الضباط الميدانيين: ولد هذا التصاعد الميداني شعوراً لدى الضباط والقيادات الميدانية المرابطة في خطوط المواجهة الأمامية بأن التركيز السياسي والأمني التكتيكي للقيادة في نيامي منصبّ على حماية السلطة ودرء الانقلابات الداخلية، على حساب توفير الدعم اللوجستي، التغطية الجوية، والإمدادات الكافية للجبهات المشتعلة.
ج/ الارتداد التكتيكي: هذا التباين بين أولويات العاصمة ومتطلبات الجبهات يُغذي حالة من الإحباط والشعور بـ “التخلّي” لدى القطاعات الميدانية، وهو ما يُشكل أرضية خصبة لولادة حراكات عسكرية برداء “تصحيحي” يدعي إنقاذ الملف الأمني المتدهور.
4/ التوتر المكتوم بين القيادة السياسية والعسكرية والضباط الميدانيين
أ/الواقع القائم: أحدثت محاولة أغسطس واحتجاز مئات الضباط شرخاً في تسلسل الأوامر العسكرية ؛ حيث بات الاستياء يتسرب من المستوى التكتيكي (الضباط الميدانيين برتبة مقدم ورائد ونقيب) باتجاه القيادة العليا ومكونات المجلس العسكري.
ب/طبيعة التوتر: ينبع هذا التوتر من اقتناع شريحة من الكوادر الميدانية بأن القنوات الرسمية لإيصال التظلمات العسكرية واللوجستية أصبحت مغلقة ومحفوفة بمخاطر الاتهام بالخيانات أو التآمر.
ج/ الانقسام الأفقـي: تحول الهيكل العسكري تدريجياً من الاندماج الكامل إلى انقسام أفقي غير معلن بين “جنرالات السلطة والإدارة” في نيامي، و”ضباط المحاور والخطوط الأمامية”، مما يجعل أي شرارة ميدانية أو خسارة تكتيكية كبيرة في إقليم تيلابيري أو تاهوا محفزاً رئيساً لاتساع شقة الخلاف والتفكير في خيارات التغيير.
5/ معادلة “الدعم الروسي” والحساسية الهيكلية داخل الجيش
أ/ الواقع القائم الان:-
عقب أحداث أغسطس، تسارع الاعتماد على القوات والشركات العسكرية الروسية “الفيلق الإفريقي لتأمين النواة الصلبة للنظام، وتقديم خدمات الاستخبارات، الحراسة الخاصة، والمراقبة التكتيكية لحماية المقرات الحساسة.
ب/ سلاح ذو حدين (الردع مقابل الاستفزاز):
جانب الردع : يرفع التواجد الروسي المباشر من التكلفة العسكرية لأي محاولة تمرد جديدة؛ نظراً لاحتكار هذه القوات التقنيات والتغطية الأمنية اللصيقة لرموز السلطة.
جانب الاستفزاز: يُولّد هذا النفوذ المتزايد حساسية عقائدية ووطنية لدى شرائح من الضباط والجنود النيجريين الذين يرون في تسليم الملفات الاستخباراتية والأمنية الحساسة لطرف أجنبي تقليصاً لدور المؤسسة العسكرية الوطنية واستبدالاً لنفوذ غربي سابق بنفوذ شرقي جديد.
النتيجة التكتيكية: هذا الوجود المكثف لا يمنع التفكير في الانقلاب نهائياً، بل يدفع الأجنحة المعارضة للتفكير في تكتيكات أعنف وأكثر تحسباً للصدام المباشر مع الحراسة الأجنبية لضمان النجاح.
التقدير والتوقعات للمرحلة القادمة في النيجر
احتمالية المحاولة : احتمال حدوث محاولة تمرد أو عصيان عسكري جديد خلال الأشهر المقبلة يُصنف بين متوسط إلى مرتفع.
احتمالية النجاح : احتمال نجاح مثل هذه المحاولات في الإطاحة بالنظام يُعتبر أقل بكثير من احتمال وقوعها؛ وذلك يعود للتشديد الأمني الصارم، والاستفادة الاستخباراتية للسلطة من المحاولة السابقة، والغطاء الأمني التخصصي المقدم من الشركاء الروس لحماية النواة الصلبة للسلطة.
ثانيًا: مالي
تختلف الحالة الماليّة في هيكليتها عن النموذج النيجري؛ إذ لا يكمن التهديد المباشر للحكومة الانتقالية في وقوع انقلاب عسكري تقليدي خاطف، بل في تآكل قدرة الدولة وبنيتها الأمنية تحت وطأة ضغط ثلاثي الأبعاد: الميداني (الجماعات المسلحة)، الهيكلي (الحركات الأزوادية)، والاقتصادي/اللوجستي الممتد نحو العاصمة باماكو.
1/ التحول الميداني والجرأة العملياتية
-المسار العملياتي: شكلت الهجمات المنسقة والواسعة في أبريل 2026، والتي تقاطعت فيها تحركات جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) مع التمدد العسكري للإطار الاستراتيجي الدائم (الحركات الأزوادية)، تحولاً استراتيجياً فارقاً.
-العمق التكتيكي: تجاوزت العمليات نطاق الشمال والوسط للوصول إلى أحزمة طوق العاصمة باماكو واستهداف مواقع استراتيجية صلبة، والتي كان أبرزها اغتيال رمز المؤسسة العسكرية وصانع التوازنات داخل السلطة، وزير الدفاع ساديو كامارا.
-الأثر الصادم: كشفت هذه الضربة عن هشاشة الترتيبات الأمنية في محيط العاصمة، وأوجدت حالة غير مسبوقة من الإرباك والارتياب الاستخباري داخل قيادة الأركان والمجلس العسكري.
2/ تكتيك “الإنهاك الاقتصادي والحصار الشبكي”
-قطع شرايين الإمداد: لا تعتمد JNIM فقط على المواجهة العسكرية المباشرة، بل تفرض استراتيجية “الحصار الهادئ” عبر استهداف قوافل شاحنات الوقود، قطع الطرق الشريانية (مثل طريق باماكو – كايس وطريق باماكو – سيغو)، وتفجير الجسور الحيوية.
-شبه شلل العاصمة: أدى هذا التكتيك إلى أزمات حادة في إمدادات الطاقة، ارتياح شح السلع الأساسية، وارتفاع التضخم داخل باماكو والمدن الكبرى، مما يحول الحرب من معركة ثكنات إلى حرب إنهاك شاملة لقدرة الدولة على البقاء.
3/ انعكاس الفشل الميداني على تماسك الجيش
أ/ معضلة الضباط والجنود في الخطوط الأمامية:- تخلق الإخفاقات المتكررة في فك الحصار عن القواعد المعزولة في الشمال والوسط (مثل مناق، كيدال، وموبتي) حالة عارمة من السخط لدى الضباط الميدانيين الذين يواجهون استنزافاً يومياً ونقصاً في التموين والدعم الجوي.
ب/ شرخ القيادة والسيطرة: كلما عجزت السلطة السياسية في باماكو عن حسم الملف الأمني أو كسر الحصار الاقتصادي، اتسعت شقة الخلافات بين جناح القيادة العليا في العاصمة والقيادات الميدانية حول ناجعية الخيارات العسكرية والاعتماد على الشركاء الأجانب.
التقدير والآفاق التوقعية (مالي)
أ/ خطر الانقلاب المباشر : لا تزال المؤشرات الراهنة تُستبعد وقوع انقلاب تقليدي وشيك يُطيح بالسلطة دفعة واحدة، نظراً لغياب كتلة عسكرية بديلة متماسكة، واستمرار سيطرة النواة الأمنية على مفاصل باماكو.
ب/ خطر الاضطراب الداخلي وتفكك الأجنحة : متوسط، ويميل للتصاعد في حال استمرار استهداف القيادات العليا أو حدوث انتكاسات ميدانية كبيرة في الولايات الجنوبية والوسطى.
ج/ خطر التدهور الأمني والإنهاك الاستراتيجي : مرتفع جداً؛ حيث تشير المعطيات إلى استمرار استراتيجية التنظيمات المسلحة في خنق العاصمة باماكو وتعميق الفجوة بين السلطة الشائكة والشارع والمؤسسة العسكرية.
ثالثًا: بوركينا فاسو
تُمثل الحالة البوركينابية نموذجاً معقداً من “التركيز الشديد للسلطة مقابل التفكك الأفقي للمؤسسة العسكرية”؛ حيث لا يُقاس خطر الاضطراب الداخلي بمدى قدرة المعارضة التقليدية أو الشارع على الحركة، بل بطبيعة الانقسامات الهيكلية المتصاعدة بين وحدات الجيش والمجموعات المسلحة الموازية.
1/ بنية السلطة و”عقدة الانقلاب الداخلي”
أ/ انعدام الثقة الهيكلي: يعي نظام الحكم في واغادوغو أن التهديد الأكبر لا يكمن في مظاهرات مدنية أو هجمات خارجيّة مباعدة، بل في “انقلاب قصر ينفذه ضباط صغار أو كوادر من داخل الحرس والكتائب المقربة، على غرار سيناريو وصول السلطة نفسها.
ب/ إعادة هيكلة جهاز الأجهزة الأمنية: دفعت المحاولات والتحركات الاستباقية السابقة إلى حصر القرار الأمني والعملياتي في دائرة ضيقة جداً، مع الاعتماد المكثف على قوات المتطوعين للدفاع عن الوطن (VDP) والكتائب التكتيكية الخاصة لتشكيل جدار حماية حيوي حول القيادة السياسية.
2/ التنافس بين الوحدات التقليدية والقوات الموازية
أ/ معضلة الثنائية العسكرية: أدى التوسع الهائل في تجهيز وتمويل قوات (VDP) والوحدات الاستثنائية على حساب وحدات الجيش البرية النظامية إلى نشوء حالة من السخط المكتوم لدى قيادات الضباط والصفوف الوسطى في الجيش التقليدي، الذين يرى بعضهم في هذا النهج “تجميشاً للجيش الوطني وتشكيل موازٍ حزبي أو فئوي”.
ب/ التفاوت في الرعاية والموارد: تخلق الفجوة في الإمدادات بين القوات المرابطة في أطراف العاصمة لحماية النظام، وتلك المنتشرة في المحاور المشتعلة (مثل أقليم الساحل، الشمال، والشرق)، احتقاناً تكتيكياً لدى الكوادر الميدانية التي تواجه كمائن وضغوطاً متزايدة من جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM).
3/ الضغط الميداني وفقدان السيطرة المجالية
أ/استراتيجية عزل المدن: تواصل الجماعات المسلحة فرض حصار مرن على المراكز الحضرية الرئيسية والاستراتيجية في الأقاليم الشمالية والشرقية (مثل جيبو وبوري)، مما يجعل عمليات الإمداد معتمدة بالكامل على القوافل العسكرية المحمية أو الجسر الجوي المجهد.
ب/ ارتداد الخسائر الميدانية: إن أي إخفاق تكتيكي كبير أو سقوط قاعدة عسكرية إقليمية يُشكل صدمة مباشرة لبنية النظام في واغادوغو؛ إذ غالباً ما تتحول مشاعر الصدمة والخسران لدى القواعد العسكرية إلى دعوات فورية لتعديل القيادة أو تغيير المحيطين برأس السلطة.
التقدير والآفاق التوقعية (بوركينا فاسو)
أ/ خطر الانقلاب التقليدي الشامل::منخفض نسبياً؛ بفضل استراتيجية التفكيك والإنذار المبكر الرارمة، وانتشار قوات التغطية الخاصة حول مفاصل العاصمة واغادوغو، مما يجعل التخطيط لتحرك عسكري واسع النطاق أمراً معقداً ومكشوفاً استخباراتياً.
ب/ خطر إعادة تشكيل موازين القوة وصراع الأجنحة : متوسط إلى مرتفع؛ حيث تظل احتمالية وقوع صدام مفاجئ أو “تحرك تصحيحي خاطف” من داخل الكتائب الأمنية المقربة أو الضباط الصغار المحفزين بالخسائر الميدانية هي السيناريو الأكثر إرجاحاً على المدى القريب.
ج/ خطر التدهور الأمني والعزلة المجالية : مرتفع؛ في ظل استمرار توسع النفوذ الميداني للتنظيمات المسلحة في الأرياف، واستنزاف القدرات اللوجستية للدولة في حروب المدن والحراسات الممتدة.
