بقلم: حسن يوسف زرما
مطالعة استراتيجية في تداخل التهديدات المسلحة وأزمة الوقود والسيولة وتحديات السيطرة على المجال الوطني
تواجه مالي في أكتوبر 2026 مرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها التحديات العسكرية مع الاختناقات الاقتصادية والمالية، في وقت تتزايد فيه الضغوط على قدرة الدولة على تأمين طرق الإمداد وضمان استمرار النشاط الاقتصادي في مختلف أنحاء البلاد.
فبين اضطراب إمدادات الوقود، وتصاعد الهجمات التي تستهدف القوات الحكومية وقوافل النقل، واستمرار التوترات في الشمال والوسط، تبرز مفارقة استراتيجية: كيف يمكن لدولة أن تسعى إلى توسيع سيطرتها العسكرية على أراضيها، بينما تواجه في الوقت نفسه صعوبات في تأمين الطرق التي تربط المدن والمناطق الاقتصادية بعضها ببعض؟
لا تكمن المشكلة في عدد العمليات العسكرية وحده، ولا في قدرة الجيش على دخول مدينة أو استعادة موقع استراتيجي، بل في قدرة الدولة على تحويل المكاسب الميدانية إلى سيطرة مستدامة، وحماية حركة التجارة، وضمان وصول الوقود والسلع، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار المالي والاجتماعي.
أولًا: أزمة الوقود.. عندما تتحول طرق الإمداد إلى جبهة مفتوحة
أصبحت إمدادات الوقود أحد أبرز مؤشرات هشاشة الوضع الأمني والاقتصادي في مالي.
فالهجمات التي تستهدف صهاريج الوقود وطرق النقل لا تقتصر آثارها على قطاع الطاقة، بل تمتد إلى النقل البري، وتوزيع المواد الغذائية، وتشغيل المولدات الكهربائية، وحركة الأسواق، وتكاليف الإنتاج والخدمات.
وتكمن خطورة هذه الهجمات في أن تأثيرها يتجاوز الأضرار المباشرة التي تلحق بالشاحنات أو السائقين. فمجرد ارتفاع مستوى المخاطر على الطرق يمكن أن يؤدي إلى زيادة تكاليف النقل والتأمين، وتأخير الرحلات، وتراجع عدد الناقلين المستعدين للعمل في بعض المسارات.
وفي دولة واسعة مثل مالي، تعتمد مناطق عديدة على طرق برية طويلة لربط العاصمة باماكو بالمدن الداخلية والمناطق الحدودية، يصبح استمرار حركة الشاحنات مسألة تتصل مباشرة بقدرة الدولة على أداء وظائفها الاقتصادية والإدارية.
وتكشف هذه المعادلة عن تحول مهم في طبيعة المواجهة: لم تعد السيطرة على المدن والمواقع العسكرية وحدها كافية لضمان الاستقرار، بل أصبح تأمين الطرق التجارية وممرات الإمداد جزءًا أساسيًا من معادلة الأمن الوطني.
فقد تتمكن القوات الحكومية من حماية منشأة أو استعادة موقع عسكري، لكن استمرار الهجمات على الطرق المحيطة به قد يحد من الأثر الاقتصادي والعسكري لذلك الإنجاز.
ومن هنا، فإن أزمة الوقود في مالي ليست مجرد مشكلة تموين، بل اختبار لقدرة الدولة على حماية شبكات الحركة والإمداد التي يقوم عليها الاقتصاد الوطني.
ثانيًا: لماذا يصعب تأمين المجال الوطني؟
تفرض الجغرافيا المالية تحديات كبيرة على القوات الحكومية.
فالبلاد تمتد على مساحة واسعة، وتضم مناطق صحراوية وشبه صحراوية، وحدودًا طويلة مع عدد من الدول، وشبكة من الطرق التي تربط العاصمة بالمراكز السكانية والاقتصادية.
وفي مثل هذه البيئة، لا تعني السيطرة على مدينة بالضرورة السيطرة على محيطها، كما لا تعني استعادة قاعدة عسكرية ضمان حرية الحركة على الطرق المؤدية إليها.
وتستطيع الجماعات المسلحة استغلال هذه الفجوة من خلال تنفيذ هجمات متفرقة، واستهداف القوافل، وقطع بعض الطرق مؤقتًا، ثم الانتقال إلى مناطق أخرى قبل أن تتمكن القوات الحكومية من فرض وجود دائم.
وتفرض هذه الاستراتيجية على الجيش توزيع قواته على عدد كبير من المواقع والمحاور، بدلًا من تركيزها على عمليات محدودة ذات أهداف واضحة.
كما أن حماية القوافل التجارية والنفطية، وتأمين المنشآت، ومرافقة الشاحنات، تتطلب موارد بشرية ولوجستية مستمرة، وقد تقلص قدرة القوات على تنفيذ مهام أخرى.
لكن هذه الصعوبات لا تعني أن الدولة فقدت السيطرة على البلاد بالكامل، ولا أن الجماعات المسلحة تمتلك القدرة على إدارة المناطق التي تنشط فيها بصورة متكاملة.
الأدق هو أن مالي تواجه صراعًا على حرية الحركة واستدامة السيطرة، تتفاوت نتائجه من منطقة إلى أخرى.
ثالثًا: الشمال.. لماذا لا تكفي استعادة كيدال لحسم المعركة؟.
تمثل كيدال إحدى أهم النقاط الاستراتيجية في شمال مالي، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي، بل أيضًا بسبب رمزيتها السياسية والعسكرية المرتبطة بتاريخ الصراع بين السلطات المركزية والحركات المسلحة في الشمال.
وقد مثلت عودة القوات الحكومية إلى المدينة، وفق التطورات المعلنة في أكتوبر 2026، مكسبًا مهمًا للسلطات المالية، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على المسار العام للصراع.
فالسيطرة على مدينة تختلف عن القدرة على تأمين محيطها، وحماية طرق الوصول إليها، وضمان استمرار الإمدادات، ومنع الجماعات المسلحة من إعادة تنظيم صفوفها في المناطق المجاورة.
كما أن المشهد في الشمال لا يقتصر على مواجهة واحدة؛ إذ تتداخل فيه حسابات الجيش المالي وشركائه العسكريين، والحركات المسلحة الطوارقية، والجماعات الجهادية، فضلًا عن التنافس على طرق الحركة ومناطق النفوذ.
وتكتسب الطرق التي تربط غاو وبومري وكيدال والمناطق الواقعة باتجاه الحدود أهمية خاصة، لأن حركة القوات والإمدادات عبرها تؤثر في قدرة الأطراف على الحفاظ على مواقعها.
ومن منظور استراتيجي، ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات من السيطرة:
1/ السيطرة العسكرية: دخول المدينة أو الموقع وإخراج الخصم منه.
2/ السيطرة العملياتية: تأمين الطرق المحيطة، ومنع الهجمات المتكررة، وضمان وصول الإمدادات.
3/ السيطرة المستدامة: إقامة حضور مؤسسي وأمني مستمر، وحماية السكان، وإعادة الخدمات، وتقليص قدرة الجماعات المسلحة على استعادة النفوذ.
ويمكن تحقيق المستوى الأول دون تحقيق المستويين الآخرين.ولهذا فإن أهمية كيدال لا تكمن فقط في استعادتها، بل في قدرة الدولة على الحفاظ على وجودها فيها وربطها بصورة مستقرة ببقية المناطق الخاضعة لسلطتها.
رابعًا: أزمة السيولة.. كيف تنتقل الضغوط الأمنية إلى الاقتصاد؟
تواجه مالي تحديات اقتصادية تتجاوز مسألة نقص الوقود، إذ يمكن أن تؤدي الاضطرابات الأمنية والتجارية إلى تعقيد تدفقات الأموال داخل الاقتصاد.فعندما تتأخر الشاحنات، ترتفع تكاليف نقل السلع، وتتراجع قدرة بعض التجار على تجديد مخزونهم، وتزداد الحاجة إلى رأس المال العامل لتمويل الرحلات الأطول والأكثر خطورة.
وإذا تزامنت هذه الظروف مع تأخر المدفوعات الحكومية أو ضعف الائتمان المصرفي، فقد تجد الشركات نفسها أمام ضغوط مزدوجة: ارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع الأموال المتاحة لتغطيتها.
لكن من المهم التمييز بين نقص السيولة النقدية في السوق، وضيق السيولة المصرفية، والعجز المالي الحكومي؛ فهذه مشكلات مترابطة، لكنها ليست متطابقة.
ولا يجوز افتراض أن كل نقص في النقد أو تأخر في المدفوعات ناتج مباشرة عن الهجمات المسلحة. فالأسباب قد تشمل أيضًا إدارة المالية العامة، ومستوى الإيرادات، والالتزامات الحكومية، وظروف التمويل الإقليمي.
ومع ذلك، فإن استمرار انعدام الأمن يزيد صعوبة معالجة هذه المشكلات، لأنه يرفع تكلفة النشاط الاقتصادي ويعقد وصول السلع والأموال إلى المناطق المتضررة.
وتظهر هنا إحدى أهم حلقات الأزمة المالية: كلما تراجعت حركة التجارة والإنتاج، ازدادت صعوبة توسيع القاعدة الضريبية وتحسين الإيرادات، بينما تحتاج الدولة إلى موارد إضافية لتمويل الأمن والخدمات العامة.
خامسًا: الذهب والثروات الطبيعية.. لماذا لا تمنح مالي حصانة اقتصادية؟
تمتلك مالي موارد معدنية مهمة، وفي مقدمتها الذهب، الذي يمثل أحد أعمدة صادرات البلاد وإيراداتها الخارجية.
لكن امتلاك مورد تصديري مهم لا يعني بالضرورة أن الدولة قادرة على توفير السيولة المطلوبة لجميع قطاعات الاقتصاد.
فالعائدات الناتجة عن التعدين تتأثر بحجم الإنتاج، والأسعار العالمية، وتكاليف التشغيل، والسياسات الضريبية، وشروط الاستثمار، وقدرة الدولة على تحصيل الإيرادات المستحقة.
كما أن الأموال التي تدخل الاقتصاد من خلال الصادرات لا تتحول كلها بصورة فورية إلى سيولة متاحة للخزانة العامة أو المصارف أو الشركات الصغيرة.
وتحتاج الدولة إلى نظام مالي قادر على تحويل الإيرادات إلى إنفاق منتج، وتمويل المؤسسات، ودفع المستحقات، وتطوير البنية التحتية.
كذلك، فإن الاضطرابات الأمنية قد ترفع تكاليف النقل والتأمين، وتؤثر في الاستثمارات، وتزيد الإنفاق الحكومي على العمليات العسكرية.
وبالتالي، فإن وجود الذهب لا يلغي تأثير الحرب في الاقتصاد، مثلما أن ارتفاع أسعار الذهب لا يضمن تلقائيًا تحسن مستوى معيشة السكان.
المشكلة ليست في غياب الثروة وحده، بل في قدرة الدولة على تحويل الثروة إلى إيرادات منتظمة، ثم إلى خدمات واستثمارات وفرص عمل.
سادسًا: الجماعات المسلحة.. من استهداف الجيش إلى الضغط على وظائف الدولة.
يكمن أحد أخطر التحولات في قدرة الجماعات المسلحة على الجمع بين الهجمات العسكرية والضغط على الأنشطة الاقتصادية وشبكات الإمداد.
فاستهداف قاعدة عسكرية قد يؤدي إلى خسائر مباشرة، لكن استهداف طريق رئيسي أو قافلة وقود قد يخلق آثارًا تمتد إلى قطاعات متعددة.
ويمكن أن تسعى الجماعات المسلحة من خلال هذه العمليات إلى تحقيق أهداف مختلفة، منها استنزاف القوات، ورفع تكلفة تأمين الطرق، وإظهار عجز الدولة عن حماية الحركة التجارية، وتعطيل الأنشطة الاقتصادية في مناطق محددة.
لكن يجب التمييز بين القدرة على إحداث اضطراب والقدرة على فرض نظام بديل مستدام.
فالجماعة المسلحة التي تعطل طريقًا أو تهاجم قافلة لا تصبح بذلك قادرة على إدارة شبكة النقل أو توفير الوقود أو تقديم الخدمات للسكان.
ومع ذلك، فإن تكرار هذه الهجمات قد يضعف الثقة بقدرة الدولة على تأمين النشاط الاقتصادي، ويزيد اعتماد السكان والتجار على ترتيبات محلية قد تفرضها موازين القوة في المناطق المتضررة.
وتزداد خطورة الوضع عندما تتحول الهجمات المتفرقة إلى نمط مستمر يفرض على الحكومة استنزاف مواردها في حماية طرق الإمداد بدلًا من توجيهها إلى الاستثمار والإنتاج والخدمات.
سابعًا: العامل الاجتماعي.. هل تزيد الحرب من احتمالات الصراع المحلي؟
لا يمكن فصل الأزمة الأمنية في مالي عن التوترات الاجتماعية والنزاعات المحلية.
ففي بعض المناطق، تتداخل المواجهة مع الجماعات المسلحة مع خلافات حول الأراضي والمياه والمراعي، وتنافس على الموارد، ومظالم متراكمة بين بعض المجتمعات المحلية.
وقد تؤدي الهجمات والنزوح وتعطل الأنشطة الاقتصادية إلى زيادة الضغوط على السكان، خصوصًا عندما يفقد المزارعون والرعاة والتجار مصادر دخلهم أو يصبح وصولهم إلى الأسواق أكثر صعوبة.
وفي هذه الظروف، قد تتصاعد النزاعات المحلية، خاصة إذا ضعفت آليات الوساطة وتسوية الخلافات، أو غابت الحماية المتساوية، أو تعرض المدنيون لانتهاكات من أطراف مسلحة.
ولا يعني ذلك أن التوترات الاجتماعية هي السبب الوحيد للصراع، بل إنها قد تصبح عاملًا يزيد تعقيده ويمنح الجماعات المسلحة فرصًا إضافية لاستغلال الانقسامات المحلية.
كما أن التعامل الأمني غير المنضبط مع المجتمعات المتضررة قد يضعف التعاون المحلي، ويصعّب جمع المعلومات اللازمة لمواجهة الجماعات المسلحة.
ولهذا فإن حماية المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، واستعادة الخدمات الأساسية، ليست قضايا إنسانية منفصلة عن الأمن، بل عناصر مؤثرة في فرص تحقيق الاستقرار.
ثامنًا: هل يرتبط التدهور بخيارات مالي الخارجية؟.
أعادت السلطات المالية خلال السنوات الأخيرة ترتيب علاقاتها العسكرية والسياسية الخارجية، ووسعت تعاونها مع روسيا، بالتوازي مع التقارب مع النيجر وبوركينا فاسو ضمن تحالف دول الساحل.
وقد غيرت هذه التحولات طبيعة الشراكات الأمنية والإقليمية، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير جميع التطورات الميدانية والاقتصادية.
فنتائج أي شراكة عسكرية تعتمد على طبيعة المهام المنفذة، وكفاءة التنسيق، والاستخبارات، والقدرة اللوجستية، ومدى استدامة الوجود الأمني في المناطق المستهدفة.
كذلك، فإن تغيير الشركاء الخارجيين لا يعالج تلقائيًا المشكلات الهيكلية، مثل اتساع المجال الجغرافي، وضعف البنية التحتية في بعض المناطق، والنزاعات المحلية، وصعوبة تأمين الطرق التجارية.
وفي المقابل، لا يعني استمرار الهجمات أن جميع الخيارات الخارجية قد فشلت؛ فالحكم يتطلب تقييمًا موثقًا للنتائج، ومقارنة الخسائر والمكاسب، وفحص قدرة الدولة على الاحتفاظ بالمناطق التي تستعيدها.
أما على المستوى الإقليمي، فإن تحالف دول الساحل يوفر إطارًا للتنسيق السياسي والأمني بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو، لكن فاعليته الاقتصادية والاستراتيجية ستتوقف على قدرته على تطوير تعاون عملي في مجالات النقل والتجارة والطاقة وتبادل المعلومات وتأمين الحدود.
تاسعًا: لماذا تختلف أزمة مالي عن أزمة النيجر وبوركينا فاسو؟.
رغم تشابه التحديات التي تواجه الدول الثلاث، فإن لكل دولة ظروفًا جغرافية واقتصادية وأمنية مختلفة.
فمالي تواجه ضغوطًا شديدة على طرق الإمداد والوقود، بالتوازي مع الصراع في الشمال والوسط واتساع التهديدات على محاور الحركة.
أما النيجر، فتواجه تحديات مرتبطة بالأمن في المناطق الحدودية، والضغوط المصرفية والمالية، والمخاطر التي يمكن أن تؤثر في تصدير النفط.
وفي بوركينا فاسو، يوفر الذهب موردًا اقتصاديًا مهمًا، لكن البلاد لا تزال تواجه تحديات أمنية وإنسانية واسعة.
ولا يعني ذلك أن إحدى الدول الثلاث تسير بالضرورة نحو الاستقرار، بينما تتجه الأخرى إلى الانهيار. فالمؤشرات الاقتصادية قد تتحسن في وقت تتدهور فيه الأوضاع الأمنية، وقد تنجح القوات في استعادة مواقع استراتيجية دون أن تتمكن الدولة من تأمين محيطها.
لذلك، فإن المقارنة الدقيقة يجب أن تعتمد على مؤشرات قابلة للقياس، تشمل انتظام إمدادات الوقود، وحجم الهجمات، والخسائر المدنية، وقدرة الدولة على الاحتفاظ بالمناطق المستعادة، وانتظام المدفوعات الحكومية، وتطور الصادرات والاستثمار.
عاشرًا: السيناريوهات المحتملة أمام مالي
يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية خلال المرحلة المقبلة، من دون اعتبار أي منها نتيجة حتمية.
السيناريو الأول: احتواء الأزمة تدريجيًا
يتحقق هذا المسار إذا تمكنت السلطات من تأمين طرق الإمداد الرئيسية، واستعادة انتظام توزيع الوقود، والحد من الهجمات على القوافل والمنشآت، وتحسين التنسيق بين العمليات العسكرية والإدارة المدنية.
وقد يؤدي ذلك إلى تخفيف الضغوط على الأسواق، وتحسين حركة التجارة، ورفع قدرة الدولة على الحفاظ على وجودها في المناطق التي تستعيدها.
لكن نجاح هذا المسار يتطلب أكثر من العمليات العسكرية؛ إذ يحتاج أيضًا إلى تمويل مستقر، وإدارة فعالة للموارد، واستعادة الخدمات في المناطق المتضررة.
السيناريو الثاني: استمرار الاستنزاف
في هذا المسار، تواصل القوات الحكومية عملياتها، وتحتفظ بالسيطرة على مراكز سكانية ومواقع استراتيجية، لكن الجماعات المسلحة تستمر في تنفيذ هجمات على الطرق والقوافل وبعض المواقع العسكرية.
وقد تبقى إمدادات الوقود والتجارة عرضة للاضطراب، مع استمرار الضغوط المالية على الدولة والشركات والأسر.
ويمثل هذا السيناريو حالة من التوازن غير المستقر، حيث لا يتمكن أي طرف من حسم الصراع، بينما تتحمل الدولة والمجتمعات المحلية تكاليف الاستنزاف المستمر.
السيناريو الثالث: اتساع الاختناق الأمني والاقتصادي
قد يتفاقم الوضع إذا تزامنت الهجمات المتكررة على طرق الإمداد مع اضطرابات طويلة في توزيع الوقود، وتراجع النشاط التجاري، وتزايد الضغوط على المالية العامة، واتساع النزوح والنزاعات المحلية.
وفي هذه الحالة، لن تبقى آثار الأزمة محصورة في المناطق التي تشهد مواجهات مباشرة، بل قد تمتد إلى المدن والأسواق والخدمات العامة.
ومع ذلك، فإن تحقق هذا السيناريو يتوقف على تطورات الميدان، وقدرة السلطات على حماية الطرق، ومرونة شبكات الإمداد، ومستوى الإيرادات والتمويل المتاح.
التقدير الأمني والاستراتيجي:-
تواجه مالي اختبارًا يتجاوز قدرتها على تنفيذ العمليات العسكرية أو استعادة المواقع الاستراتيجية. فالمعضلة الأساسية تتمثل في مدى قدرة الدولة على تحويل المكاسب الميدانية إلى أمن مستدام، وحماية طرق الإمداد، وضمان استمرار النشاط الاقتصادي في مختلف المناطق.
وتكشف أزمة الوقود عن أهمية السيطرة على شبكات الحركة والنقل، في حين توضح الضغوط المالية أن امتلاك الموارد الطبيعية لا يكفي وحده لتوفير الاستقرار الاقتصادي ما لم تتحول الإيرادات إلى تدفقات مالية منتظمة واستثمارات وخدمات.
كما أن استعادة كيدال أو غيرها من المواقع لا تمثل حسمًا للصراع ما لم تقترن بتأمين الطرق المحيطة، واستمرار الإمدادات، ووجود مؤسسات قادرة على حماية السكان وإدارة الشؤون المحلية.
وفي المقابل، فإن استمرار الهجمات لا يعني أن الدولة فقدت جميع قدراتها، بل يشير إلى أن الصراع لا يزال مفتوحًا على احتمالات متعددة، وأن قياس نتائجه يتطلب النظر إلى ما يحدث على الأرض وإلى قدرة المؤسسات على مواصلة أداء وظائفها.
الخطر الاستراتيجي الأكبر هو أن تحقق الدولة مكاسب عسكرية لا تستطيع تحويلها إلى استقرار اقتصادي واجتماعي، بينما تنجح الجماعات المسلحة في جعل حركة الوقود والتجارة والإمدادات أكثر كلفة واضطرابًا.
وعليه، فإن مستقبل مالي لن يتحدد فقط بميزان القوة العسكرية، بل بقدرة السلطات على الجمع بين تأمين المجال الوطني، وحماية الاقتصاد، ومعالجة النزاعات المحلية، وضمان انتظام الخدمات والإمدادات.
ففي نهاية المطاف، لا تُقاس سيطرة الدولة بعدد المدن التي تدخلها قواتها وحده، بل بقدرتها على ضمان أن تبقى تلك المدن متصلة ببقية البلاد، وأن تصل إليها السلع والوقود، وأن يتمكن سكانها من ممارسة حياتهم اليومية في ظروف آمنة ومستقرة.
