بقلم: حسن يوسف زرما
الموضوع: رصد مؤشرات تمدد تنظيم “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” نحو مناطق مناجم الذهب بشرق غينيا
1/ مقدمة:-
تُشير المعطيات الميدانية والاستخباراتية المتقاطعة إلى انتقال أزمة عدم الاستقرار في منطقة الساحل الأوسط من مرحلة “الاحتواء الإقليمي” إلى مرحلة الاختراق التوسعي نحو الدول الساحلية لغرب إفريقيا. ويبرز المحور المالي-الغيني كأحد أخطر مسارات هذا التمدد؛ حيث يرصد التقرير حركة حثيثة لتنظيم “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” (JNIM) لتأسيس موطئ قدم هادئ في الأقاليم الشرقية لجمهورية غينيا.
لا تستهدف التنظيم هذه التجمعات في مرحلتها الحالية- السيطرة العسكرية المباشرة أو إسقاط البلدات، بل تركز على اختراق أقاليم إنتاج الذهب الحرفي والصناعي للسيطرة على شبكات التمويل الذاتي، واستغلال هشاشة الحدود لإنشاء مناطق خلفية للدعم اللوجستي.
2/ خريطة التمدد ومسارات التسلل الميداني
تشهد المقاطعات الجنوبية والجنوبية الغربية لمالي (تحديداً أقاليم سيكاسو وكوليكورو) نشاطاً متزايداً لخلايا التنظيم، والتي بدأت بالتدفق عبر المعابر غير الرسمية والتضاريس الغابية الوعرة نحو الداخل الغيني:
المحاور الجغرافية المستهدفة:-
يتركز الضغط التنظيمي على ولايتين رئيسيتين في غينيا العليا هما :-
1/ ولاية سيغيري : المركز الثقل لإنتاج الذهب والتعدين الأهلي والصناعي.
2/ ولاية مانديانا:- النقطة التماس الأشد هشاشة على طول الشريط الحدودي المالي.
تفاصيل مسارات النفوذ في ولايتي سيغيري ومانديانا، البعد الجغرافي والميداني (القرى ومناطق التعدين المستهدفة في شرق غينيا)
تتركز المخاوف الأمنية المرتبطة بتسلل عناصر الجماعات المتطرفة نحو أقاليم شرق غينيا في ولايتين أساسيتين تمثلان العصب الاقتصادي والميداني لقطاع التعدين. الأولى هي ولاية سيغيري، التي تُعد مركز الثقل التاريخي والاقتصادي لإنتاج الذهب الحرفي والصناعي في البلاد. وتتوزع حركة التنقيب والنشاط الحدودي في سيغيري عبر نطاقات حيوية تشمل سلسلة مناجم “بوريه” الضخمة التي تضم آلاف الآبار المفتوحة للتعدين العشوائي، إلى جانب قرى حدودية متاخمة للحدود المالية مثل “فراناليا” وقرى “كوروسا” التي تُستغل كممرات رئيسية للعمالة الوافدة وشبكات التمويْل. كما تبرز بلديات مثل “دoko” و”كينتينيان” باعتبارهما مراكز تجميع واستراحة رئيسية للمنقبين الحرفيين، فضلاً عن القرى الواقعة في الشريط الشمالي الشرقي مثل “سيتكورو” و”بنكو”. ولا تقتصر الأهمية على التعدين الأهلي، بل تمتد لتشمل مواقع ومناجم استراتيجية مثل منجم “كورون” ومنطقة امتياز شركة التعدين الصناعية الكبرى التابعة لمشروع “SAG”، والتي تحيط بها نطاقات تعدينية عشوائية واسعة تشكل حزاماً معقداً يصعب ضبطه أمنياً.
أما الولاية الثانية فهي ولاية مانديانا، التي تُمثل نقطة التماس الأشد خطورة وهشاشة نظراً لتداخلها المباشر مع أقاليم جنوب مالي. وتمر مسارات الحركة والتسلل عبر شبكة من القرى والمراكز الحدودية الحساسة، أبرزها قرية “ليمبانا” الاستراتيجية التي شهدت بالفعل رصداً ميدانياً واعتقالات لعناصر استطلاعية مشبوهة وافدة عبر الحدود، إلى جانب بلدة “كنديان” ومركز “ديالاكورو” التجاري والرعوي، وقرى “سيلابادا” و”بالاندوغو” التي تحيط بها غطاءات غابية كثيفة تمنح الخلايا المبرزة مخابئ آمنة. وعلاوة على ذلك، تنتشر على امتداد مانديانا مواقع تعدين حرفي شاسعة مثل مناجم “كوداران” الواقعة قرب مجرى نهر سانكاراني، ومناطق التعدين التقليدي الممتدة صوب “نياغاسولا” على الحدود مع سيغيري. وتعتمد حركة التسلل في هذه القرى والمناجم بشكل رئيسي على استغلال الممرات النهرية ومجاري المياه والغابات الوعرة، حيث تندمج العناصر الوافدة مع حركة الصيادين والمنقبين المحليين لتفادي الرقابة الأمنية والتحرك بحرية تامة عبر الحدود.
تكتيك التغلغل الناعم:-
يعتمد التنظيم على استراتيجية الاندماج الاجتماعي الهادئ من خلال استغلال الروابط العرقية والمجتمعية العابرة للحدود (قبائل الماندينغ و البامبارا). يتم تقديم أنفسهم كـ “حماة أمنيين” لمواقع التعدين الحرفي في مواجهة عصابات السطو المحلي. مع فرض نظام جباية وإتاوات غير رسمي تحت مسمى “الزكاة” على آبار التعدين التقليدي.
3/ الذهب كعنصر استراتيجي في عقيدة التمويل
يُمثل الاستحواذ على الموارد المعدنية والذهب بالتحديد ركيزة كلاسيكية في النموذج الاقتصادي لجماعات الساحل، وتتضاعف أهمية القطاع الغيني بناءً على المعطيات التالية:
الذهب كعنصر استراتيجي في عقيدة التمويل
يُمثل الاستحواذ على الموارد المعدنية والذهب بالتحديد ركيزة كلاسيكية وحيوية في النموذج الاقتصادي لجماعات الساحل، وتتضاعف أهمية القطاع الغيني بناءً على معطيات استراتيجية متداخلة. فعلى مستوى التمويل المباشر، يعتمد التنظيم على بسط نفوذه والسيطرة التدريجية على مواقع التعدين الأهلي غير المنظم ، مما يتيح له توفير سيولة نقدية فورية ومستدامة بالذهب والعملات الصعبة بمعزل عن أية رقابة مصرفية رسمية. ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يتعداه إلى استخدام أسلوب الابتزاز والتهديد عبر فرض إتاوات ورسوم حماية قسرية على شركات التعدين الأجنبية والمحلية العاملة في المنطقة، وهو ما يفضي بالضرورة إلى رفع تكاليف التأمين والتشغيل للشركات ويهدد بيئة الاستثمار في القطاع الرسمي بأكمله. وتكتمل هذه المنظومة في قطاع سلاسل الإمداد والتجميع، حيث تُستغل شبكات تجار الذهب الوسيطين لغسل الأموال وتأمين عمليات شراء الوقود، والمركبات، والعتاد العسكري، لتتحول مناجم الذهب بذلك إلى شريان مالي وسوق سوداء متكاملة تضمن تمويل العمليات العسكرية وتذخيرها.
4/ التقييم الأمني والجاهزية الوطنية (الجانب الغيني)
على الرغم من النجاح الاستخباراتي الذي حققته الأجهزة الأمنية الغينية في تفكيك بعض الخلايا الاستطلاعية في بلدات مثل “ليمبانا” بمانديانا، إلا أن جهود الاحتواء تصطدم بعوائق هيكلية وهي:-
1/ طبيعة الشريط الحدودي:- امتداد حدودي يتجاوز 800 كيلومتر يتسم بالتضاريس الغابية والتداخل السكاني، مما يجعل السيطرة الكاملة عبر نقاط التفتيش الثابتة أمراً غير ممكن عملياً.
2/ هشاشة قطاع التعدين الأهلي:- انتشار آلاف المواقع العشوائية لاستخراج الذهب دون رقابة حكومية صارمة، مما يجعلها بيئة مثالية لاختباء العناصر المتطرفة وتجنيد الشباب الغاضب أو المحروم اقتصادياً.
3/ تراجع التنسيق الإقليمي:- تذبذب آليات التعاون الأمني بين كوناكري وباماكو بسبب التحولات السياسية والانشغالات التكتيكية للجيش المالي في الأقاليم الشمالية والوسطى.
5/ السيناريوهات المستقبليّة وتوصيات التقييم
أ- السيناريوهات المتوقعة (مدى 6 – 12 شهراً):
السيناريو الأرجح هو نجاح التنظيم في بناء “قواعد خلفية وآمنة” للتمويل والدعم اللوجستي في شرق غينيا، مع تنفيذ هجمات خاطفة ومحدودة النطاق ضد الدوريات الأمنية على خط الحدود للتأكيد على النفوذ. و السيناريو الأسوأ هو انتقال التنظيم من مرحلة الدعم اللوجستي والتمويل إلى مرحلة “العمليات التنفيذية”، عبر شن هجمات تستهدف منشآت التعدين الكبرى أو اختطاف الخبراء الأجانب في سيغيري لرفع كلفة المواجهة.
