تواجه ناميبيا تطوراً جديداً في أزمة الحمى القلاعية، بعد تأكيد ظهور بؤرة إصابة في إقليم زامبيزي شمال شرقي البلاد، لتضاف إلى التفشي الذي بدأ في إقليم خاراس جنوباً خلال سبتمبر الماضي. ويضع هذا التطور السلطات البيطرية أمام تحدي احتواء المرض ومنع انتقاله إلى مناطق أخرى، في وقت تتزايد فيه القيود المفروضة على حركة الحيوانات وتسويقها.
ولا تقتصر أهمية التفشي على الجانب الصحي؛ إذ تمثل الثروة الحيوانية أحد القطاعات الاقتصادية المهمة في ناميبيا، وترتبط بها أنشطة تربية الماشية وتسويقها وذبحها وتصنيع اللحوم وتصديرها. ومن ثم، فإن اتساع نطاق الإصابات قد ينعكس على دخل المربين، وحركة الأسواق المحلية، وقدرة البلاد على الحفاظ على أسواقها الخارجية.
زامبيزي 12 عينة إيجابية وإجراءات احتواء عاجلة:-
وفقاً لإعلان وزارة الزراعة والثروة السمكية والمياه وإصلاح الأراضي الناميبية، اكتُشفت البؤرة الجديدة في جزيرة كالالا، ضمن دائرة كابي بإقليم زامبيزي.
وأفادت السلطات بأن الأطباء البيطريين رصدوا، خلال تحقيق ميداني في 5 أكتوبر الجاري، أعراضاً سريرية يُشتبه في ارتباطها بالحمى القلاعية لدى 20 رأساً من الماشية. وأُرسلت 12 عينة إلى المختبر البيطري المركزي في العاصمة ويندهوك، وأكدت نتائج الفحوص الصادرة في 7 أكتوبر إصابة العينات الاثنتي عشرة بالفيروس.
وعقب تأكيد التفشي، فعّلت الوزارة خطة الطوارئ الوطنية لمكافحة المرض، وبدأت حملة تطعيم في المنطقة المتضررة، بالتوازي مع تكثيف المراقبة البيطرية لتحديد النطاق الفعلي للإصابات.
كما أوقفت السلطات حركة الحيوانات ذات الظلف المشقوق ومنتجاتها الحيوانية الخام داخل إقليم زامبيزي، وألغت تصاريح النقل السابقة، وعلّقت مزادات الماشية والأسواق غير الرسمية والتجمعات التي يمكن أن تسهم في انتقال العدوى.
وشملت الإجراءات كذلك تعليق الذبح في المسالخ المحلية والأسواق غير الرسمية والمناسبات الاجتماعية، وإنشاء نقاط تفتيش على الطرق لمنع نقل الحيوانات والمنتجات الحيوانية بصورة غير مصرح بها.
ومع ذلك، أبقت السلطات على إمكانية استمرار ذبح الأبقار الموجودة في الحجر الصحي داخل مسالخ التصدير، وفق نظام التجارة القائم على السلعة، شريطة الالتزام بشروط التتبع والضوابط البيطرية المعتمدة.
خاراس البؤرة الأولى تكشف اتساع التحدي:-
جاء ظهور الإصابات في زامبيزي بعد تسجيل التفشي الأول في منطقة كاراسبورغ بإقليم خاراس في 23 سبتمبر الماضي.
ووفق أحدث الأرقام التي نشرتها السلطات الناميبية، ارتفع عدد العينات الإيجابية في خاراس إلى 129 عينة، مع تأكيد إصابة 17 مزرعة حتى 9 أكتوبر.
ويعني ظهور بؤرة جديدة في إقليم آخر أن جهود المكافحة لم تعد مقتصرة على احتواء الإصابات في الجنوب، بل باتت تشمل مراقبة مناطق جغرافية متباعدة، وتطبيق قيود على حركة الحيوانات، وتعزيز القدرة على اكتشاف الإصابات الجديدة والاستجابة لها بسرعة.
لكن تسجيل إصابات في إقليمين لا يكفي وحده لإثبات وجود مسار مباشر لانتقال العدوى بينهما؛ إذ يتطلب تحديد طرق الانتشار تحقيقاً وبائياً يشمل حركة الحيوانات، والاتصال بين القطعان، واحتمالات انتقال الفيروس عبر المعدات والمركبات والمواد الملوثة.
التأثير الاقتصادي المربون والتجار في دائرة الضغط:-
تتمثل إحدى أبرز نتائج التفشي في تعطيل جانب من حركة الماشية وتسويقها داخل المناطق الخاضعة للقيود. فتعليق الأسواق والمزادات وعمليات الذبح المحلية قد يحد من قدرة المربين على بيع حيواناتهم في الوقت المعتاد، ويزيد تكاليف إيوائها وإطعامها ورعايتها البيطرية.
كما يمكن أن تؤدي القيود المفروضة على نقل الحيوانات إلى إرباك سلاسل التوريد المرتبطة بتجارة الماشية واللحوم، خصوصاً إذا استمرت لفترة طويلة أو توسعت لتشمل مناطق إضافية.
وعلى مستوى التجارة الخارجية، يمثل الحفاظ على الوضع الصحي البيطري للبلاد عاملاً مهماً في استمرار الوصول إلى الأسواق الدولية. وقد تترتب على تفشي الحمى القلاعية قيود تجارية إضافية، بحسب المنطقة المتضررة، ومتطلبات الدول المستوردة، والشهادات الصحية المعتمدة.
وتكمن الخطورة الاقتصادية في أن الأثر لا يتوقف عند الحيوانات المصابة، بل قد يمتد إلى المربين والتجار والنقل والمسالخ والعاملين في سلسلة إنتاج اللحوم.
ومع ذلك، لا تتوافر حتى الآن أرقام موثقة تحدد حجم الخسائر المالية الناتجة عن بؤرة زامبيزي وحدها، كما لا يمكن تقدير أثرها النهائي على الصادرات قبل معرفة مدى انتشار المرض ومدة القيود التي ستفرضها السلطات.
البعد الإقليمي , تحديات الرقابة البيطرية
تواجه دول الجنوب الأفريقي تحديات متواصلة في مراقبة الأمراض الحيوانية العابرة للمناطق الحدودية، ولا سيما في المناطق التي تعتمد على تربية الماشية والتنقل الموسمي للقطعان.
وتتطلب مكافحة الحمى القلاعية تنسيقاً بين أجهزة الخدمات البيطرية، ومراقبة حركة الحيوانات، والتبليغ السريع عن الأعراض، وتطبيق إجراءات الحجر والتطهير، إلى جانب حملات التطعيم التي تقررها السلطات وفق طبيعة التفشي.
وتزداد أهمية هذه الإجراءات في المناطق التي تتداخل فيها أنشطة تربية الماشية مع التجارة المحلية والتنقل عبر الطرق البرية؛ إذ يمكن أن تسهم حركة الحيوانات أو المعدات الملوثة في نقل الفيروس إذا لم تُطبق تدابير الوقاية بصورة فعالة.
ولا يعني ذلك أن التفشي في زامبيزي انتقل بالضرورة من دولة مجاورة، إذ لم تقدم المعلومات المتاحة دليلاً قاطعاً على مصدر العدوى أو مسار وصولها إلى الجزيرة.
ما الذي ينبغي مراقبته خلال المرحلة المقبلة؟
تتوقف فعالية الاستجابة الناميبية على مجموعة من المؤشرات، أبرزها نتائج الفحوص الجديدة في زامبيزي، وعدد القطعان والمزارع التي قد تُكتشف فيها إصابات إضافية، ومدى التزام المربين بقيود الحركة، وسرعة تنفيذ حملة التطعيم.
كما سيكون مهماً رصد أي تعديل في المناطق الخاضعة للقيود، ومدى تأثير الإجراءات على حركة الماشية والتجارة المحلية، وأي قرارات جديدة تصدر عن السلطات أو الشركاء التجاريين بشأن استيراد اللحوم الناميبية.
ومن الضروري التمييز بين الإصابات المؤكدة والمناطق التي تخضع للمراقبة الوقائية؛ ففرض القيود لا يعني بالضرورة اكتشاف حالات إصابة في جميع المناطق المشمولة بها.
التقدير : احتواء المرض هو الاختبار الحاسم
تشير المعطيات المتاحة إلى أن ناميبيا تواجه تحدياً بيطرياً واقتصادياً يتجاوز البؤرة الجديدة في زامبيزي. فظهور الإصابات في إقليم ثانٍ، بالتزامن مع استمرار التفشي في خاراس، يرفع أهمية المراقبة الوبائية وسرعة الاستجابة، ويزيد احتمالات تعرض المربين والتجار لضغوط مالية إذا طال أمد القيود.
ومع ذلك، لا تسمح الأرقام الحالية بالجزم بأن البلاد تواجه انهياراً في قطاع الثروة الحيوانية أو فقداناً شاملاً لأسواق التصدير. فهذه النتائج تتوقف على نطاق التفشي، والقدرة على احتوائه، والقرارات الصحية والتجارية التي ستتخذها الجهات المعنية.
وسيكون المؤشر الأهم خلال الأيام المقبلة هو ما إذا كانت السلطات ستتمكن من حصر الإصابات في البؤر المعروفة ومنع ظهور حالات جديدة، أم أن التفشي سيستدعي توسيع نطاق التدابير الوقائية وما يرتبط بها من أعباء اقتصادية.
تقرير: حسن يوسف زرما
