لم تكن المسألة، في جوهرها، تتعلق بإعادة نظام ديمقراطي بقدر ما كانت احتجاجًا على تدهور الوضع الأمني، وعلى لامبالاة السلطات الانقلابية تجاه العسكريين. الضباط الشباب الذين تحدوا النظام فشلوا في مسعاهم، فيما أدت القوات الروسية دورها. لكن في نيامي، لن تعود الأمور إلى ما كانت عليه من قبل…
يبدو المشهد وكأنه اعتراف بحد ذاته: فقد أُقيمت، اليوم الثلاثاء، مراسم تشييع وطنية لثلاثة ضباط من الحرس الرئاسي لقوا مصرعهم خلال الساعات العصيبة التي هزّت نيامي وأربكت نظام الجنرال تياني. في المقابل، ومنذ ثلاث سنوات، لم يحظَ آلاف العسكريين الذين سقطوا في ساحات القتال تحت ضغط الجماعات الجهادية بأي تكريم أو إشادة أو حتى ذكر رسمي. لقد دُفنوا في صمت تام. وبطمس تضحيات هؤلاء، يخفي النظام حقيقة وضع أمني لا يتوقف عن التدهور.
في ليلة 28 إلى 29 أغسطس/آب 2026، تحدى ضباط شباب الجنرال تياني وأربكوا النظام. فقد دوّت نيران كثيفة وانفجارات في أنحاء من نيامي، بالقرب من المطار والقصر الرئاسي ومقر الإذاعة والتلفزيون الوطني. وخلال ساعات قليلة، دخلت العاصمة النيجرية في حالة من الغموض وعدم اليقين، قبل أن يتمكن نظام الجنرال عبد الرحمن تياني، الذي وصل إلى السلطة عبر انقلاب يوليو/تموز 2023، من استعادة زمام المبادرة.
وقُتل أو جُرح أو اعتُقل عشرات العسكريين الذين تحصنوا حول القاعدة الجوية 101. ولم تعلن السلطات أي حصيلة رسمية. وفي الساعات الأولى، يمكن استخلاص خمسة دروس رئيسية.
أولًا: صلابة القاعدة السياسية للمجلس الوطني لحماية الوطن موضع تساؤل
يوم السبت، لم يخرج أحد إلى الشارع لدعم النظام.
لقد ظهرت فجأة حقيقة نظام ظل خطابُه الدعائي طوال ثلاث سنوات يروّج لمشروع «إعادة تأسيس» سيادي، يقوم على فكرة وجود تأييد شعبي متزايد، وعلى أن الشعب تحرر أخيرًا من الوصاية الفرنسية واصطف بصورة واسعة خلف جيشه.
لكن التمرد جاء هذه المرة من داخل الجيش نفسه، بما يكشف عن شرخ خطير بين الحرس الرئاسي والعسكريين المنتشرين في الجبهات.
ويبدو أن عدة مئات من الجنود شاركوا في التحرك، بعضهم قادم من مناطق القتال الأكثر تعرضًا للخطر، مثل أوالام وتيرا ودوسو، حيث تتراكم منذ أشهر الخسائر في صفوف القوات أمام الجماعات الجهادية المرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية وتنظيم القاعدة.
ويُقدّر النص عدد القتلى خلال السنوات الثلاث الماضية بما لا يقل عن 6000 شخص، بينهم أكثر من 2000 عسكري، مقابل 59 من أفراد قوات الدفاع والأمن ونحو مئة مدني خلال السنتين اللتين تولى فيهما محمد بازوم رئاسة البلاد.ومن الصعب، في ظل هذه المعطيات، إخفاء حقيقة الوضع الميداني.
لقد أصبح الشرخ واسعًا بين الضباط الشباب الذين يواجهون يوميًا إخفاقات الوضع الأمني، وبين قيادة عسكرية مقرّبة من تياني تعمل على ترسيخ السلطة السياسية والمنافع المرتبطة بها.
وكان هذا التباين في صلب حركة السبت: أسلحة ثقيلة مخزنة داخل محيط القصر الرئاسي، في مقابل وحدات قتالية تعاني من نقص التجهيزات وتُترك لمصيرها في الجبهات.
وكانت قرارات التعيين والنقل بمثابة الشرارة التي فجّرت غضبًا حقيقيًا.
وبالتالي، فإن دوافع المتمردين لم تكن سياسية، بالمعنى المؤسساتي للكلمة، بقدر ما كانت تعبيرًا عن حالة تمرد عميقة.ولعدة ساعات، اهتزت أركان السلطة.كما أدرك النظام حجم غياب التأييد الشعبي الفعلي لسياساته، فالصمت والصمود والاستسلام للأمر الواقع لا تعني بالضرورة الموافقة.
ثانيًا: الجنرال تياني يستعين بروسيا لقمع التمرد
من دون تردد، لجأ الجنرال تياني إلى المرتزقة الروس لقمع التمرد.
ولم يكن ذلك مفاجئًا؛ فقد أدى «فيلق أفريقيا» دوره.
ففي منطقة الساحل الأوسط، لم تعد عناصر فاغنر السابقة موجودة فقط لمحاربة الإرهاب، وإنما لتكون بمثابة حرس إمبراطوري للأنظمة الانقلابية التي تبدو عازمة على البقاء في السلطة لأطول فترة ممكنة.
وكان الجنرال تياني، الذي تحصّن في مكان سري، قد طلب المساعدة من حلفائه الروس. وأُعلن عن هذه المعلومة من جانب السفير الروسي شخصيًا.كما استُخدمت طائرات مسيرة انتحارية خلال العمليات.
والنظام الذي جعل من القطيعة مع فرنسا ومن الدفاع عن السيادة الوطنية حجته التأسيسية، كانت أمامه خيارات أخرى. كان بإمكانه اللجوء إلى التفاوض، لكنه اختار، من أجل الحفاظ على بقائه، أن يجعل ضباطًا نيجريين شبابًا هدفًا لنيران مرتزقة أجانب.
إطلاق النار على جيشه يعني، بالتالي، إطلاق النار على شعبه!
وهنا تبرز المقارنة مع موقف محمد بازوم في يوليو/تموز 2023.
فعندما كان نظامه على وشك السقوط، رفض الرئيس المنتخب ديمقراطيًا عرضًا بالتدخل العسكري الفرنسي قدمه له الرئيس إيمانويل ماكرون لإعادته إلى السلطة.
وقد فضّل الرئيس أن يبقى سجينًا بدل أن تكون عودته إلى الحكم مدينة لقوة أجنبية، مع ما قد يترتب على ذلك من احتمال إراقة دماء نيجرية.
وبعد ثلاث سنوات، فإن الرجل الذي أطاح به باسم الدفاع عن السيادة الوطنية لم يُبدِ التحفظات نفسها.
لقد أصبحت روسيا الآن في النيجر وكأنها صاحبة اليد العليا.
ثالثًا: الجزائر، الراعي الآخر لنيامي
إلى جانب موسكو، يوجد راعٍ آخر لنيامي هو الجزائر.
وهو دعم يتناقض مع الموقف الجزائري الواضح في يوليو/تموز 2023، عندما كانت الجزائر تدعو إلى العودة إلى النظام الدستوري.فالدول ليست لها أصدقاء، وإنما لها مصالح…
وتجسد الجزائر هذا المبدأ بصورة مثالية.
فطوال الأزمة الأخيرة، وقفت الجزائر إلى جانب الجنرال تياني، وأكدت منذ الساعات الأولى تضامنها الكامل مع المجلس الوطني لحماية الوطن، كما سارعت إلى نشر طائرات مسيرة للمراقبة، ثم مقاتلات من طراز Su-30MKA في نيامي، في تحرك سريع لم يضاهه شركاء النيجر في تحالف دول الساحل.
وقد تبدو هذه السرعة لافتة إذا ما قورنت بالموقف الجزائري في يوليو/تموز 2023، حين أدانت الجزائر الانقلاب فورًا وطالبت بإنهاء ما وصفته آنذاك بأنه «مساس غير مقبول بالنظام الدستوري»، قبل أن تعرض الوساطة من أجل إعادة محمد بازوم إلى منصبه.
وكان بازوم قد قام في يوليو/تموز 2021 بزيارة الجزائر في واحدة من أولى زياراته الرسمية إلى الخارج، وكانت الثانية بعد نيجيريا، ووُصفت رسميًا بأنها «زيارة عمل وصداقة».
كما جرى آنذاك التوصل إلى اتفاق بشأن قضية السكان النازحين من منطقة ديفا، إضافة إلى مشروع خط أنابيب الغاز العابر للصحراء بين نيجيريا والنيجر والجزائر.
ويُظهر هذا التحول، الذي بدأ في فبراير/شباط 2026 خلال زيارة الجنرال تياني إلى الجزائر، المنطق الذي بات يحكم العلاقات حاليًا: لم تعد الأولوية للالتزام بمبدأ الشرعية الدستورية الذي دافعت عنه الجزائر في 2023، بل لواقعية الجوار التي لا تسمح للجزائر بتحمل مزيد من عدم الاستقرار. وهناك أسباب مادية واضحة: خط أنابيب الغاز، وأمن الحدود، والمنافسة مع المغرب.لكن الجزائر، بعدم ربطها في أي وقت عملية التطبيع ثم الدعم بالإفراج عن الرئيس محمد بازوم، أظهرت بصورة واضحة مدى محدودية القيمة التي توليها للمبادئ التي كانت تدّعي الدفاع عنها قبل ثلاث سنوات فقط.
رابعًا: بالنسبة إلى دول المنطقة، أصبح هذا النظام أشبه بـ«كيس» يهدد استقرارها
إن صمت دول المنطقة يكشف صعوبة العثور على العلاج المناسب.فقد اتسم موقف الدول المجاورة عمومًا بضبط النفس.وباستثناء الجزائر والحلفاء المعتادين لتحالف دول الساحل، الذين أشادوا في بيان صادر من واغادوغو بـ«ولاء» و«روح المسؤولية» قوات الدفاع النيجرية في مواجهة ما وصفوه بـ«الخيانة»، غلب الصمت على مواقف بقية الدول.
أما تركيا، فقد دعت إلى «ضبط النفس» وأكدت تضامنها مع الشعب النيجري، في موقف حذر وتقليدي.لكن الموقف الأكثر دلالة جاء من نيجيريا.فقد أصدرت أبوجا، يوم الأحد، بيانًا مقتضبًا من وزارة الخارجية أعربت فيه عن «قلق عميق» إزاء الوضع، وذكّرت بالروابط التاريخية والأخوية بين البلدين، من دون تقديم دعم صريح للنظام، ومن دون إدانة قوية لمحاولة الانقلاب.ويتناقض هذا الموقف مع الدور النيجيري في عام 2023، عندما كان بولا أحمد تينوبو رئيسًا للاتحاد الاقتصادي لدول غرب أفريقيا «إيكواس»، وقاد العقوبات المفروضة على النيجر وطرح خيار التدخل العسكري الإقليمي لإعادة بازوم إلى السلطة.
لكن بعد ثلاث سنوات، تقدمت الواقعية السياسية على ما عداها.فقد كان رئيس أركان الجيش النيجيري موجودًا في نيامي يوم 28 أغسطس/آب، أي عشية التمرد، في زيارة عسكرية وُصفت بأنها غير مسبوقة منذ عام 2023، ضمن مسار تطبيع العلاقات العسكرية بين البلدين.ويكشف هذا التحرك هشاشة الانفراج الذي بدأ بالكاد بين العاصمتين، كما يعكس حرج أبوجا في اتخاذ موقف حاد من نظام كانت قد بدأت للتو في استئناف التعاون معه لمواجهة التهديد الإرهابي المشترك.
خامسًا: خطر تشدد النظام أصبح أكبر
يوجد الآن خطر حقيقي يتمثل في تشدد النظام، وسط أجواء من الارتياب والشك، على غرار الوضع القائم في بوركينا فاسو.
لم يعد بإمكان الجنرال تياني أن يتجاهل الحقيقة.فجزء من الجيش يكنّ له العداء.وقد خسر دعم الرأي العام.كما أصبح، بحسب النص، رهينة للدعم الروسي، الذي بات يمثل الراعي الجديد للنيجر. وأمام هذه المعطيات، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا، استنادًا إلى سوابق مماثلة في المنطقة، هو اتجاه السلطة نحو مزيد من التشدد بدلًا من الانفتاح. فالأنظمة العسكرية في منطقة الساحل تتعامل بصورة شبه هيكلية مع محاولات زعزعة الاستقرار الداخلي من خلال اتخاذ إجراءات أكثر صرامة، تشمل:
– تطهير المؤسسة العسكرية من العناصر المشكوك في ولائها.
– تشديد الرقابة على الوحدات التي يُنظر إليها باعتبارها مصدر خطر.
– إحكام الدائرة المحيطة بالنواة الأمنية المقربة من القيادة.
– وربما زيادة الاعتماد على «فيلق أفريقيا» الروسي، الذي أصبح، وفق هذا التحليل، الضامن الحقيقي لبقاء النظام.
ومن المتوقع أيضًا توظيف الحدث سياسيًا، من خلال تحديد كباش فداء خارجيين، وتنظيم محاكمات نموذجية للمتمردين، وتكثيف الدعاية عبر القنوات الرسمية بهدف إعادة خلق وحدة وطنية بصورة مصطنعة، وهي الوحدة التي جاءت أحداث التمرد لتكشف هشاشتها.
ومن المرجح أن يستمر التقارب مع الجزائر، بما يمنح نيامي دعمًا إقليميًا بديلًا عن المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، وكذلك عن تحالف دول الساحل نفسه الذي يعاني بدوره من هشاشة متزايدة ، لكن هذا التشدد لن يحل المشكلة الأساسية، جبهة أمنية تتدهور، وجيش منقسم بين قيادة عسكرية ووحدات ميدانية مستنزفة، وشرعية شعبية آخذة في التراجع.
إن ليلة 29 أغسطس/آب 2026 تمثل لحظة كاشفة؛ فقد كشفت عن نظام يعتمد على القوة بدرجة أكبر مما يستند إلى القبول الشعبي الذي يحظى به.
حسن يوسف زرما
