الساحل الأوسط – مالي | 16 أغسطس/آب 2026
كشفت لجنة تابعة للأمم المتحدة أن فدية تُقدّر بنحو 50 مليون دولار دُفعت في أواخر عام 2025 مقابل الإفراج عن رهائن اختطفهم مسلحون مرتبطون بتنظيم القاعدة في مالي، تحولت إلى مصدر تمويل رئيسي ساعد الجماعات المسلحة على تعزيز عملياتها في مالي ومنطقة الساحل، ودعم أجزاء من شبكة القاعدة خارج غرب أفريقيا.
وبحسب التقرير الأممي الذي أعده فريق مراقبة تنظيمَي القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية وقدم إلى لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن، فإن معظم مبلغ الفدية وصل إلى مقاتلين ينشطون في منطقة الساحل، ولا سيما داخل مالي، بينما جرى تحويل جزء آخر إلى قيادة تنظيم القاعدة وفصيله في شبه الجزيرة العربية باليمن.
ويحمل التقرير تاريخ 10 أغسطس/آب 2026، فيما أُتيح على موقع الأمم المتحدة في اليوم التالي. وتأتي هذه النتائج في وقت شهد فيه تنظيم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM)، المرتبط بالقاعدة، توسعاً ملحوظاً في نطاق عملياته وقدرته على شن هجمات منسقة في مالي وبوركينا فاسو والنيجر ودول غرب أفريقيا الأخرى.
الإمارات في قلب صفقة الفدية:-
لم يحدد التقرير الأممي هوية الرهينة أو الجهة التي دفعت الأموال، غير أن ثلاثة مصادر إقليمية أبلغت رويترز بأن دولة الإمارات العربية المتحدة هي التي دفعت المبلغ، مقابل الإفراج عن مواطن إماراتي إلى جانب رهينتين أجنبيتين.
وكانت رويترز قد كشفت في أكتوبر/تشرين الأول 2025 أن صفقة أُبرمت للإفراج عن مواطنين إماراتيين اثنين اختطفهما مسلحون مرتبطون بالقاعدة في مالي، وأن قيمة الفدية بلغت نحو 50 مليون دولار، مع إفادة مصادر آنذاك بالإفراج كذلك عن رهينة إيراني.
ولم تؤكد الإمارات رسمياً دفع الفدية، لكنها قالت، رداً على أسئلة رويترز، إنها تواصل جهودها لمكافحة الإرهاب وقطع مصادر تمويل الجماعات المتطرفة.
من أموال الفدية إلى ساحات القتال؛-
تكتسب الصفقة أهمية أمنية كبيرة بسبب حجم الأموال التي دخلت إلى شبكة القاعدة في الساحل. فالمبلغ، وفق التقييم الأممي، لم يبقَ محصوراً في المنطقة التي تمت فيها عملية الاختطاف، وإنما أعيد توزيع جزء منه داخل شبكة التنظيم، ما وفر للجماعات المسلحة سيولة إضافية لتمويل عملياتها.
ويأتي ذلك في وقت يعتمد فيه JNIM على مصادر متعددة للتمويل، من بينها الخطف مقابل الفدية، وفرض الإتاوات، والتهريب، والسيطرة على طرق التجارة، والاستفادة من أنشطة اقتصادية غير قانونية، إضافة إلى عائدات مرتبطة بالذهب والماشية والأخشاب. وقد اعتبر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن فدية نوفمبر/تشرين الثاني 2025 البالغة نحو 50 مليون دولار شكلت تدفقاً مالياً استثنائياً بالنسبة للتنظيم، فوق مصادر دخله المعتادة.
ويرى التقرير الأممي أن عمليات الاختطاف للحصول على فدية أصبحت أداة مالية واستراتيجية في الوقت نفسه، إذ توفر للجماعات المسلحة الأموال اللازمة للعمليات، بينما تسمح لها باستهداف الأجانب والضغط على الحكومات والجهات التي تتفاوض على إطلاقهم.
انعكاس إقليمي:-
لا تقتصر تداعيات هذه الأموال على مالي. فقد واصل JNIM خلال الفترة الأخيرة توسيع نشاطه باتجاه بوركينا فاسو والنيجر وبنين وتوغو، مع امتداد متزايد نحو المناطق الساحلية في غرب أفريقيا. وتؤكد تقديرات أممية أن التنظيم أصبح قادراً على تنفيذ عمليات واسعة ومنسقة على عدة جبهات، إلى جانب استهداف طرق الإمداد والمنشآت الاقتصادية ومواقع التعدين.
وتشير هذه التطورات إلى أن الأموال الناتجة عن عمليات الخطف يمكن أن تتحول سريعاً من فدية محلية إلى تمويل عابر للحدود، خصوصاً عندما تقع الأموال في يد تنظيم يمتلك شبكة إقليمية مترابطة مثل JNIM.
مالي والإمارات.. علاقات متنامية:-
وتأتي قضية الفدية في سياق تطور العلاقات بين الإمارات والسلطات المالية، خصوصاً في المجال الاقتصادي والاستثماري. وتُعد الإمارات كذلك من أبرز الوجهات المرتبطة بتجارة الذهب القادم من مالي، بما في ذلك الذهب المنتج خارج القنوات الرسمية.
ويضع ذلك صفقة الفدية في سياق أكثر حساسية، إذ تكشف القضية عن المخاطر التي يمكن أن تنتج عن تحويل مبالغ ضخمة في بيئة أمنية تسيطر فيها جماعات مسلحة على مساحات واسعة وشبكات تهريب وطرق تجارية.
و لا يثبت التقرير الأممي أن الجهة التي دفعت الفدية كانت تعلم مسبقاً أن الأموال ستُستخدم في تمويل عمليات إرهابية، لكنه يقدم مؤشراً واضحاً على الأثر الأمني المباشر لاقتصاد الفدية في منطقة الساحل.
فمبلغ يناهز 50 مليون دولار، وهو مبلغ استثنائي بالنسبة لعملية خطف واحدة، أصبح وفق التقييم الأممي مورداً مالياً ساعد شبكة القاعدة على تعزيز قدراتها في الساحل، بينما وصل جزء منه إلى فروع التنظيم وقيادته خارج أفريقيا.
وتشير القضية إلى تحول الخطف في الساحل من نشاط إجرامي للحصول على المال إلى أداة تمويل استراتيجية للجماعات المسلحة، وهو ما يزيد من تعقيد جهود مكافحة الإرهاب ويجعل أي عملية تفاوض مستقبلية لتحرير الرهائن مرتبطة بتداعيات أمنية تتجاوز بكثير حدود الدولة التي وقعت فيها عملية الاختطاف.
تقرير مراسل براون لاند حسن يوسف زرما غرب أفريقيا
