إعداد: حسن يوسف زرما
أعاد تقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست الجدل حول مستقبل الدور الأمريكي في منطقة الساحل، بعدما كشف أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تدرس خيارات عسكرية ضد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM)، الفرع المرتبط بتنظيم القاعدة في مالي ومنطقة الساحل، في خطوة قد تمثل تحولاً في السياسة الأمريكية تجاه غرب أفريقيا.
وبحسب الصحيفة، استندت المعلومات إلى مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين أكدوا أن البيت الأبيض يناقش عدداً من السيناريوهات، من بينها تنفيذ ضربات عسكرية موجهة ضد الجماعة، رداً على تصاعد نشاطها خلال الأشهر الأخيرة، ولا سيما بعد العمليات التي استهدفت الجيش المالي وخطوط إمداد الوقود، والتي عدّتها واشنطن مؤشراً على تنامي قدرات التنظيم. إلا أن التقرير شدد على أن أي قرار نهائي لم يُتخذ حتى الآن، وأن المداولات لا تزال جارية داخل الإدارة الأمريكية.
لماذا الآن؟
يأتي هذا النقاش في وقت تشهد فيه مالي تصاعداً ملحوظاً في وتيرة العنف، إذ نفذت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين خلال عام 2026 سلسلة عمليات واسعة النطاق بالتنسيق مع جبهة تحرير أزواد، استهدفت مواقع عسكرية في باماكو وكاتي وغاو وموبتي ومناطق أخرى، ما اعتبره مراقبون أكبر تصعيد تشهده البلاد منذ سنوات.
كما سبق أن أدى الحصار الذي تعرضت له طرق إمداد الوقود في مالي مطلع عام 2026 إلى اضطرابات لوجستية واقتصادية، الأمر الذي عزز المخاوف من قدرة الجماعة على التأثير في مفاصل الدولة، وليس فقط تنفيذ هجمات متفرقة.
أبعاد تتجاوز مكافحة الإرهاب
ويرى مراقبون أن التفكير الأمريكي لا يرتبط بمكافحة الإرهاب وحدها، بل يتقاطع مع التنافس الجيوسياسي في الساحل، حيث توسع النفوذ الروسي خلال السنوات الأخيرة عقب انسحاب القوات الفرنسية وبعثة الأمم المتحدة من مالي، واعتماد باماكو على شركاء أمنيين روس.
ووفقاً لما نقلته واشنطن بوست، فإن بعض المسؤولين الأمريكيين يرون أن نجاح الجماعات المسلحة في توسيع نفوذها يضعف صورة الشراكة الأمنية الروسية في المنطقة، بينما قد يمنح أي تدخل أمريكي واشنطن فرصة لإعادة بناء حضورها الاستراتيجي في الساحل.
انقسام داخل الإدارة الأمريكية
تشير المعلومات المتداولة إلى وجود تباين في وجهات النظر داخل الإدارة الأمريكية بشأن جدوى أي تدخل مباشر. فبينما يدفع بعض المسؤولين باتجاه تنفيذ ضربات محدودة تستهدف الجماعة، يحذر آخرون من مخاطر الانخراط في نزاع معقد سبق أن واجهت فيه قوى دولية، مثل فرنسا، تحديات كبيرة دون تحقيق استقرار دائم.
هل يتغير ميزان القوى؟
يرى محللون أن أي تدخل أمريكي، إذا تم، قد يغيّر طبيعة الصراع في مالي والساحل، لكنه لن يكون كافياً وحده لمعالجة جذور الأزمة. فالتقارير الصادرة عن الأمم المتحدة ومراكز الدراسات المتخصصة تشير باستمرار إلى أن استمرار نشاط الجماعات المسلحة يرتبط أيضاً بعوامل مثل ضعف مؤسسات الدولة، والأزمات الاقتصادية، والنزاعات المحلية، وهشاشة المناطق الحدودية، وهي عوامل لا يمكن معالجتها بالوسائل العسكرية وحدها.
ما المتوقع؟
حتى الآن، تبقى الخيارات العسكرية الأمريكية في إطار الدراسة، ولم تصدر أي قرارات رسمية بشأن تنفيذ ضربات داخل مالي. وإذا انتقلت المناقشات إلى مرحلة التنفيذ، فقد يمثل ذلك أول انخراط عسكري أمريكي مباشر بهذا الحجم ضد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وهو ما قد يعيد رسم موازين القوى في منطقة الساحل، ويضيف بعداً جديداً إلى التنافس الدولي المتصاعد في غرب أفريقيا.
