في وقت تسعى فيه دول الجوار الاستيعاب التدريجي لتدفقات الفارين من النزاع المسلح في السودان، يتصاعد المشهد الأمني في شرق ليبيا نحو مزيد من التضييق والتشديد؛ حيث باتت عمليات الاحتجاز والترحيل الجماعي تمثل الإستراتيجية الأساسية المتبعة من قِبل السلطات في بنغازي والمناطق المجاورة لها التعامل مع ملف الهجرة واللجوء.
ورغم تحذيرات المنظمات الحقوقية والدولية من خطورة إعادة الفارين إلى مناطق النزاع أو مناطق التماس الشديدة الخطورة، ترسم الإجراءات الميدانية الأخيرة صورة لمعادلة مختلفة تنظر إلى وجود المهاجرين واللاجئين كملف أمني وصحي بالدرجة الأولى.
ترحيل إداري وتكتم على الوجهات:-
شهد منتصف سبتمبر الجاري إعلان السلطات الأمنية في مدينة بنغازي عن ترحيل 81 مهاجرًا غير نظامي، من بينهم 78 سودانيًا. وعلى الرغم من تأكيد الأجهزة الرسمية أن العملية جاءت عقب استكمال إجراءات قانونية وطبية وأمنية، إلا أن الجهات المعنية لم توضح المسار الميداني أو التفاصيل المتعلقة بالنقطة النهائية التي جرى نقل المهاجرين إليها.
ويأتي هذا الإجراء امتدادًا لسياسات السلطات بشرق ليبيا في تنظيم حملات إخلاء للمراكز والمخيمات، والتي تُبرر عادةً بالحد من انتشار الأمراض السارية ومكافحة التواجد غير النظامي.
تقارير حقوقية: احتجاز قسري وظروف ضاغطة
تتزامن عمليات الترحيل مع شهادات وتقارير صادرة عن مراكز حقوقية، وفي مقدمتها “لجنة العدالة” (Committee for Justice)، والتي وثقت ظروفًا إنسانية معقدة داخل مراكز الاحتجاز بشرق البلاد.
شهادات واحتجاز:
كشفت التوثيقات الحقوقية خلال سبتمبر عن وجود أعداد كبيرة من المحتجزين السودانيين داخل سجن “قنفودة” ببنغازي ومراكز أخرى (تتراوح التقديرات الحقوقية بين 1,200 إلى نحو 2,000 محتجز)، بينهم نساء وأطفال. وتؤكد التقارير استمرار معاناتهم من نقص الرعاية الصحية، وسوء التغذية، إلى جانب ادعاءات بسوء المعاملة وغياب الإجراءات القضائية النافذة.
حملات متواصلة وضغط أمني مُركز:-
لم تقتصر هذه التحركات على المناطق الحضرية الكبرى كبنغازي، بل امتدت لتشمل مدن الشريط الشرقي مثل طبرق والبطنان؛ إذ شهدت الأشهر الماضية حملات توقيف واعتقال واسعة طالت مئات السودانيين، خصوصًا في مناطق الدخول البري عبر الصحراء.
وتُظهر هذه المعطيات تبايناً جوهرياً بين التعاطي الإنساني والميداني قائم على “النقل والإيواء” كما هو الحال في تشاد، وبين المقاربة الأمنية في شرق ليبيا القائمة على الاحتجاز المباشر والترحيل الإداري، مما يضع آلاف السودانيين بين فكي الصراع المسلح في الداخل والملاحقة الأمنية في دول الجوار.
