تقع كردفان في قلب السودان، وتشكل نقطة الوصل الإجبارية بين ثلاثة أطراف رئيسية في الصراع: العاصمة الخرطوم وأم درمان شرقاً، إقليم دارفور غرباً، وولاية النيل الأبيض جنوباً. هذا الموقع الوسطي يجعل من كردفان، وتحديداً مدينة الأبيّض عاصمة شمالها، نقطة ارتكاز لا يمكن لأي طرف في الحرب تجاوزها إذا أراد تأمين خطوط إمداده أو التحرك بحرية بين جبهاته المتعددة
والطريق الرابط بين أم درمان والأبيّض، البالغ طوله نحو 400 كيلومتر، هو الشريان الذي دارت حوله المعارك الأخيرة. بحسب ما نقلته وكالة فرانس برس، تقع الأبيّض عند مفترق طرق استراتيجي، إذ يمتد الطريق الذي يربطها شمالاً وجنوباً من الخرطوم إلى بقية أجزاء كردفان، بينما يربط المحور الشرقي-الغربي معاقل قوات الدعم السريع في دارفور بمناطق سيطرة الجيش في وسط وشرق السودان
على طول هذا الطريق، توجد ثلاث نقاط عبور أساسية أعيدت السيطرة عليها مؤخراً، ولكل منها وظيفة جغرافية مختلفة بارا،ثاني أكبر مدن ولاية شمال كردفان، وتقع على بعد نحو 45 كيلومتراً شرق الأبيّض، ما يجعلها نقطة ارتكاز متقدمة لأي تحرك باتجاه المدينة أو منها؛ جبرة الشيخ، محطة رئيسية على طريق الصادرات وأيضاً مركز تجاري مهم لتجارة المحاصيل والماشية، ما يمنحها بعداً اقتصادياً إلى جانب دورها العسكري كحلقة وصل حيوية؛ وأم سيالة، نقطة حيوية لتأمين خطوط الإمداد وتقليل مخاطر الهجمات الممتدة نحو ولايتي النيل الأبيض والخرطوم، أي أنها تعمل كحاجز أمامي يحمي عمق الجبهة الشرقية.
الأبيّض عند تقاطع أربعة محاور
الأهمية الاستراتيجية للأبيّض لا تنبع من طريق واحد فقط، بل من موقعها عند تقاطع أربعة محاور جغرافية متمايزة: محور أم درمان–الأبيّض (طريق الصادرات)، الأحدث تأميناً ويمثل خط الإمداد الرئيسي مع العاصمة؛ محور الأبيّض–النهود، الذي يربط كردفان بإقليم دارفور ويعد الشريان الرئيسي للإمداد والتجارة غرباً، وما زال ضمن نطاق سيطرة قوات الدعم السريع حتى الآن؛ محور الأبيّض–الدلنج–كادقلي، الذي يمثل حلقة الوصل بين شمال وجنوب كردفان، ويُعد حالياً منطقة تماس رئيسية بين الطرفين؛ والخط الشرقي-الغربي الداخلي، الذي يصل معاقل قوات الدعم السريع في دارفور بمناطق سيطرة الجيش شرقاً ويمر عبر محيط الأبيّض مباشرة
كما تضم المدينة نفسها بنية تحتية تُضاعف من قيمتها العسكرية: فرقة مشاة تابعة للجيش، وقاعدة جوية، وخط أنابيب نفط رئيسي، وسوق كبير للصمغ العربي، وهو ما يجعلها هدفاً استراتيجياً متكامل الأبعاد وليس مجرد موقع ميداني عابر. كما تؤوي المدينة، وفق التقديرات، نحو نصف مليون نسمة من سكانها الأصليين إلى جانب ما يقارب 100 ألف نازح، ما يضاعف الثقل السكاني والإنساني لأي تحول في موازين السيطرة عليها
الأرقام والقراءة الاستراتيجية
على محور شمال كردفان، أعلن الجيش تدمير 119 عربة قتالية، إضافة إلى 4 تناكر وقود و5 شاحنات محملة بالعتاد العسكري،ومستودعين للوقود. أما على محور جنوب كردفان، فتم تدمير 27 عربة قتالية إضافية. وفي سياق موازٍ، أعلن الجيش عن الاستيلاء على 54 عربة قتالية وتدمير أكثر من 62 أخرى ضمن عمليات استعادة المدن الواقعة على طريق الصادرات
هذه الأرقام، إذا ما قُرئت جغرافياً لا عسكرياً فقط، تعكس تحولاً في خطوط التماس: فبعدما كانت قوات الدعم السريع تحاصر الأبيّض من محاور متعددة، أدت هذه العمليات إلى إبعادها غرباً بعيداً عن الطريق السريع، بما يفكك محاولات التطويق التي كانت تستهدف عزل المدينة بالكامل عن العمق الشرقي.
ويمكن تلخيص الأثر الاستراتيجي لهذا التحول في ثلاث نقاط: إعادة فتح خط الإمداد المختصر، بعد أشهر طويلة اعتمد فيها سكان الأبيّض والمناطق المحيطة بشكل شبه كامل على طرق بديلة أطول وأكثر خطورة؛ تقييد حركة “الدعم السريع” بين الجبهتين، إذ إن السيطرة على المحور الشرقي-الغربي عند الأبيّض تحدّ من قدرة القوات المهاجمة على التنقل بسلاسة بين معاقلها في دارفور وخطوط قتالها في وسط السودان؛ وتحول في ميزان المناورة، حيث تمنح السيطرة على بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة مجتمعة القوات المسلحة مرونة أكبر في التحرك بين محاور كردفان والخرطوم والنيل الأبيض، بدل الاعتماد على جبهة دفاعية واحدة.
صحيح أن محورين من أصل أربعة عند الأبيّض :الأبيّض–النهود، والأبيّض–الدلنج–كادقلي، لا يزالان نقطتي تماس نشطتين، وأن الطريق السريع المؤدي إلى الخرطوم لم يُفتح بعد بالكامل أمام حركة المدنيين حتى تاريخ آخر تحديث ميداني متاح. غير أن هذا لا ينتقص من قيمة ما تحقق، بل يؤكدها: فتأمين طريق الصادرات لم يكن هدفاً في ذاته بقدر ما كان مفتاحاً لفك الحصار عن الأبيّض وإعادة رسم موازين الحركة في عمق كردفان. وبقدر ما تمثل هذه المكاسب محطة مكتملة الأركان، فإنها تشكل أيضاً قاعدة الانطلاق نحو المحاور المتبقية، إذ إن المرونة التي اكتسبتها القوات في المناورة بين كردفان والخرطوم والنيل الأبيض تضعها في موقع أقوى لاستكمال المسار ذاته على محوري الأبيّض–النهود والأبيّض–الدلنج–كادقلي. بهذا المعنى، لا تُقرأ هذه التطورات كخاتمة لمعركة كردفان، بل كبداية فعلية لمرحلة جديدة من العمليات، بُنيت أسسها الميدانية والجغرافية بالفعل على الأرض.
