بقلم: حسن يوسف زرما
في خضم التطورات الأمنية المتسارعة في شمال مالي، تتكرر مدينة أنفيف في بيانات الجيش المالي، وتقارير الحركات الأزوادية، وتحليلات المراقبين العسكريين، بما يعكس أن أهميتها تتجاوز كونها بلدة صحراوية صغيرة. فقد أصبحت المدينة إحدى أهم العقد الاستراتيجية التي تؤثر في مسار العمليات العسكرية وتوازنات القوى بين الدولة المالية والحركات المسلحة في إقليم أزواد.
الأهمية الجيوستراتيجية
تقع أنفيف على المحور الرابط بين غاو وكيدال، وهو أحد أهم محاور الحركة العسكرية واللوجستية في شمال مالي. ويمنح هذا الموقع من يسيطر عليها قدرة أكبر على تأمين الإمدادات، ومراقبة التحركات، ودعم القوات المنتشرة في محيطها.
وفي الحروب الصحراوية، تكتسب عقد المواصلات والتموين أهمية تفوق أحيانًا أهمية المدن ذات الكثافة السكانية، لأن السيطرة عليها تعني امتلاك زمام المبادرة العملياتية.
لماذا تتمسك بها الدولة المالية؟
ترى باماكو أن الاحتفاظ بأنفيف يمثل جزءًا من معركة تثبيت سيادة الدولة على الشمال، ويحقق عدة أهداف استراتيجية، أبرزها:
– حماية خطوط الإمداد بين غاو والمناطق الشمالية.
– تقليص قدرة الخصوم على المناورة وقطع طرق الإسناد.
– تعزيز الوجود العسكري في منطقة تشهد نشاطًا متكررًا للجماعات المسلحة.
– تقوية الموقف السياسي للحكومة في أي مسار تفاوضي مستقبلي.
ومن هذا المنظور، فإن خسارة المدينة لا تُقاس بقيمتها الجغرافية فقط، بل بما قد تتركه من آثار عسكرية وسياسية.
لماذا تسعى الحركات الأزوادية للسيطرة عليها؟
بالنسبة للحركات الأزوادية، تمثل أنفيف موقعًا محوريًا يربط مناطق الانتشار ويمنحها مرونة أكبر في الحركة والإمداد. كما أن السيطرة عليها تحمل قيمة سياسية ورمزية، إذ تعزز حضورها الميداني وتمنحها أوراقًا إضافية في أي مفاوضات مستقبلية.
وفي النزاعات المسلحة، غالبًا ما تتحول المدن ذات المواقع الاستراتيجية إلى أدوات ضغط سياسي بقدر ما تكون أهدافًا عسكرية.
البعد الاقتصادي والأمني
ورغم أن أنفيف ليست مركزًا اقتصاديًا رئيسيًا، فإنها تقع على مسارات تستخدمها التجارة المحلية والتنقل الرعوي، ما يجعل استقرارها مؤثرًا في النشاط الاقتصادي لسكان المنطقة. كما أن السيطرة على الطرق المحيطة بها تحد من نشاط شبكات التهريب والتنقل غير النظامي، وهو ما يضفي بعدًا أمنيًا إضافيًا على الصراع حولها.
لماذا تتكرر المعارك حول أنفيف؟
تُصنف أنفيف ضمن ما يُعرف عسكريًا بـ”العقد العملياتية”، وهي المواقع التي تمنح الطرف المسيطر عليها أفضلية في المناورة والإمداد والدفاع. ولذلك فإنها تبقى هدفًا متكررًا لكل من يسعى إلى تغيير موازين القوى في شمال مالي، بغض النظر عن حجمها السكاني.
قراءة مستقبلية
من المستبعد أن يؤدي تغير السيطرة على أنفيف وحدها إلى حسم الصراع في شمال مالي، لأن الأزمة تتجاوز البعد العسكري إلى عوامل سياسية وأمنية وتنموية واجتماعية متشابكة. وسيظل الاستقرار مرهونًا بقدرة مختلف الأطراف على التوصل إلى تسوية شاملة تعالج جذور الأزمة، إلى جانب تعزيز التنمية وبناء مؤسسات الدولة وتحسين الأوضاع الأمنية في الشمال.
خاتمة
لقد أصبحت أنفيف رمزًا للصراع على النفوذ في شمال مالي، وعقدة استراتيجية تتقاطع عندها الاعتبارات العسكرية والسياسية والاقتصادية. ولذلك فإن المعارك المتكررة حولها ليست مجرد مواجهات للسيطرة على مدينة، بل تعكس صراعًا أوسع حول مستقبل شمال مالي وشكل التوازنات فيه. ومن هنا، فإن أي قراءة للمشهد الأمني في المنطقة لا تكتمل دون فهم المكانة الاستراتيجية التي تحتلها أنفيف في حسابات جميع الأطراف.
