مطالعة استراتيجية في مسار العنف والتحولات العسكرية والجهادية بعد انقلاب يوليو 2023
بعد ثلاثة أعوام على الإطاحة بالرئيس محمد بازوم في السادس والعشرين من يوليو 2023، تبدو الحصيلة الأمنية في النيجر أكثر تعقيدًا مما كان يوحي به الخطاب الذي رافق وصول المجلس الوطني لحماية الوطن إلى السلطة.
فالأمن كان أحد أبرز المبررات التي قدمها المجلس العسكري للاستيلاء على السلطة، في ظل تصاعد نشاط الجماعات المسلحة وتدهور الأوضاع في المناطق الحدودية. غير أن بيانات مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاع المسلح ترسم صورة مختلفة بعد مرور ثلاث سنوات.
فوفق تحليل نشره المشروع، سجلت النيجر خلال الفترة الممتدة من يوليو 2023 إلى يوليو 2026 نحو 1490 حادثة عنف سياسي و5836 وفاة مرتبطة بالعنف، مقابل 1390 حادثة و3199 وفاة خلال السنوات الثلاث السابقة للانقلاب. وبذلك ارتفع عدد حوادث العنف بنحو سبعة في المائة، بينما ارتفع عدد الوفيات بأكثر من ثمانين في المائة.
وتكتسب هذه المقارنة أهميتها من أن الزيادة الكبرى لم تكن في عدد الأحداث بقدر ما كانت في درجة فتكها.
ولا تعني هذه الأرقام، بطبيعة الحال، أن الانقلاب تسبب بمفرده في جميع الوفيات، فالمشهد الأمني تحكمه عوامل متعددة، من بينها نشاط الجماعات الجهادية، والتحولات الإقليمية، وانسحاب القوات الأجنبية، وتراجع التعاون الأمني التقليدي، وتغير التحالفات العسكرية في منطقة الساحل. لكنها تشير بوضوح إلى أن التحسن الأمني الذي كان أحد الوعود الأساسية للمرحلة الجديدة لم يتحقق خلال السنوات الثلاث الأولى بالمستوى الذي كان منتظرًا.
من تغيير السلطة إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية:-
لم يبدأ التهديد الجهادي في النيجر مع انقلاب يوليو 2023، إذ كانت البلاد تواجه منذ سنوات نشاط تنظيم الدولة في الساحل وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، ولا سيما في منطقة تيلابيري والمناطق الحدودية مع مالي وبوركينا فاسو.
غير أن الانقلاب أحدث تحولًا عميقًا في البيئة الأمنية المحيطة بالنيجر.
فبعده انسحبت القوات الفرنسية، ثم القوات الأمريكية، وتراجعت أشكال التعاون العسكري التي كانت قائمة مع عدد من الشركاء الغربيين، بينما اتجهت نيامي نحو بناء منظومة أمنية جديدة تقوم على التعاون مع روسيا والتنسيق الوثيق مع مالي وبوركينا فاسو في إطار تحالف دول الساحل.
لكن تغيير الشركاء لم يكن مجرد عملية استبدال قوة بأخرى؛ فقد شمل فقدان منظومة واسعة من القدرات المرتبطة بالاستخبارات والاستطلاع الجوي والدعم اللوجستي والمراقبة الحدودية والتنسيق العملياتي.
وفي بلد شاسع المساحة مثل النيجر، يمثل هذا الجانب عاملًا حاسمًا، لأن السيطرة على العاصمة والمراكز الحضرية لا تعني بالضرورة القدرة على مراقبة المناطق الطرفية والحدود الممتدة لمئات الكيلومترات.
تيلابيري… مركز الثقل الجهادي:-
تظل منطقة تيلابيري الحلقة الأكثر حساسية في المعادلة الأمنية النيجريّة. فالمنطقة تقع عند نقطة التقاء النيجر ومالي وبوركينا فاسو، وتشكل جزءًا من المجال الجغرافي الذي تنشط فيه الجماعات الجهادية منذ سنوات.
لكن التطور اللافت خلال السنوات الأخيرة هو اتساع نطاق العمليات وانتقال الضغط تدريجيًا إلى مناطق أخرى، خصوصًا دوسو وأجزاء من تاهوا. وبحسب بيانات مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاع المسلح، أصبحت تيلابيري خلال عام 2025 أكثر مناطق وسط الساحل فتكًا، مع تسجيل أكثر من 1200 وفاة مرتبطة بالعنف خلال العام. وهنا تظهر إحدى المشكلات الأساسية التي تواجه القوات النيجريّة: فالمسألة لم تعد مواجهة جماعة مسلحة في منطقة محددة، وإنما التعامل مع بيئة عملياتية مفتوحة تسمح للجماعات بالتحرك عبر الحدود واستغلال المساحات الواسعة وضعف الانتشار الحكومي.
تنظيم الدولة يرفع مستوى التهديد:-
أحد أبرز التحولات خلال المرحلة الأخيرة هو تصاعد نشاط تنظيم الدولة في الساحل.
فالتنظيم لم يعد يعتمد فقط على الكمائن والهجمات المحدودة، بل أصبح يستهدف مواقع عسكرية بصورة أكثر جرأة، ويسعى إلى الاستيلاء على الأسلحة والمركبات والمعدات بعد مهاجمة القواعد.
وفي عام 2026 سجلت هجمات على مواقع عسكرية ومراكز أمنية في مناطق مختلفة، كما انتقل الاستهداف في بعض الحالات إلى منشآت ذات أهمية استراتيجية، بما فيها المطارات.
ويحمل هذا التطور دلالة عسكرية مهمة ، فالهجوم على موقع عسكري لا يهدف فقط إلى قتل الجنود، بل يمكن أن يؤدي إلى إخلاء الموقع، والاستيلاء على المعدات، وإضعاف قدرة الدولة على الانتشار، وفتح ممرات جديدة أمام الجماعة المسلحة ، وبذلك يتحول الهجوم التكتيكي إلى مكسب عملياتي طويل الأمد.
جماعة نصرة الإسلام والمسلمين: استراتيجية مختلفة:-
في الجهة المقابلة، تواصل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين توسيع نطاق نشاطها في منطقة الساحل.
وتختلف طبيعة عمليات الجماعة في عدد من المناطق عن أسلوب تنظيم الدولة، إذ تعتمد بدرجة كبيرة على الكمائن، وقطع الطرق، واستهداف القوات، وفرض النفوذ على المجتمعات المحلية، والضغط على خطوط الإمداد.
وقد وثقت بيانات النزاع توسع نشاط الجماعة باتجاه دوسو وجنوب تاهوا، وهو تطور بالغ الأهمية بالنسبة للنيجر، لأن توسع العمليات جنوبًا يعني انتقال الضغط إلى مناطق أقرب إلى الممرات الاقتصادية والمناطق ذات الكثافة السكانية الأعلى.
كما أن المنافسة بين تنظيم الدولة وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين أصبحت بدورها عاملًا إضافيًا في المشهد.
فالصراع لم يعد فقط بين الدولة والجماعات المسلحة، بل أصبح هناك تنافس بين التنظيمين على مناطق النفوذ والموارد وطرق الحركة، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى موجات جديدة من العنف بدل أن يؤدي بالضرورة إلى إضعاف التهديد الجهادي.
من استهداف القواعد إلى استهداف المراكز الحيوية:-
من المؤشرات اللافتة في تطور المشهد الأمني أن الجماعات المسلحة بدأت تستهدف منشآت ذات قيمة استراتيجية ورمزية أكبر.ففي عام 2026 تعرضت منشآت مرتبطة بالمطارات في نيامي وتاهوا لهجمات، وهو تطور يتجاوز النمط التقليدي للعمليات في المناطق الريفية.
فالسيطرة على المجال الأمني لا تقاس فقط بعدد الجنود الذين يتم قتلهم، وإنما أيضًا بقدرة الدولة على حماية المنشآت الحيوية والمطارات والطرق ومراكز الاتصالات والطاقة.
ولهذا فإن انتقال العمليات إلى هذه المنشآت يحمل بعدًا نفسيًا وسياسيًا يتجاوز حجم الخسائر المباشرة.
الشراكة الروسية تحت الاختبار:-
اعتمد المجلس العسكري بصورة متزايدة على روسيا بعد القطيعة مع فرنسا والولايات المتحدة.
لكن وجود القوات الروسية أو التعاون العسكري معها لا يعني تلقائيًا القدرة على تعويض جميع الإمكانات التي فقدتها النيجر.
فالعمليات العسكرية الحديثة تحتاج إلى منظومة متكاملة من المعلومات الاستخبارية والاستطلاع والمراقبة والنقل والإمداد والدعم الجوي والقدرة على الانتشار السريع.
واستمرار سقوط الخسائر العسكرية واستهداف المواقع المتقدمة يوضح أن المشكلة لا تتعلق فقط بعدد الجنود الموجودين على الأرض، وإنما بقدرة الدولة على بناء منظومة أمنية مستدامة تستطيع العمل عبر مساحة النيجر الشاسعة.
العامل الأخطر: تماسك المؤسسة العسكرية:-
بعد ثلاث سنوات من الحرب، لم يعد التحدي الأمني خارجيًا فقط.
فالضغوط التي تتعرض لها القوات المسلحة بسبب الخسائر المستمرة وطول أمد العمليات يمكن أن تتحول إلى عامل مؤثر في تماسك المؤسسة العسكرية. وقد أعادت الاضطرابات العسكرية التي شهدتها نيامي في أغسطس 2026 طرح هذه المسألة على الواجهة، خصوصًا في ظل استمرار الحرب مع الجماعات المسلحة, وهنا تظهر معادلة شديدة الحساسية، كلما ارتفعت الخسائر وطالت الحرب، ارتفعت تكلفة الحفاظ على الانتشار العسكري؛ وكلما تراجع الانتشار، زادت المساحات التي تستطيع الجماعات المسلحة استغلالها، وبالتالي فإن الأمن الخارجي والاستقرار داخل المؤسسة العسكرية أصبحا مرتبطين بصورة متزايدة.
الحرب لم تعد عسكرية فقط:-
هناك جانب آخر لا يقل أهمية عن المعارك المباشرة، ويتمثل في الاقتصاد, فالجماعات المسلحة تستطيع التأثير في الدولة من خلال تعطيل الطرق التجارية، وتهديد النقل، والضغط على الأسواق والمناطق الزراعية، واستهداف المنشآت الحيوية وخطوط الطاقة.
وفي النيجر، تزداد أهمية هذا العامل بسبب اعتماد البلاد على طرق محددة لتصدير مواردها ونقل السلع والطاقة.
ولهذا فإن استهداف البنية التحتية يمكن أن يتحول إلى أداة ضغط استراتيجية، حتى في الحالات التي لا تستطيع فيها الجماعات المسلحة السيطرة على مدينة أو إسقاط الحكومة.
الحصيلة بعد ثلاثة أعوام:-
لا تشير البيانات إلى انهيار الدولة النيجريّة، كما لا تشير إلى أن النيجر أصبحت الدولة الأكثر عنفًا في منطقة الساحل.
بل إن مستوى العنف في النيجر لا يزال، وفق بيانات مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاع المسلح، أقل من مستويات العنف المسجلة في مالي وبوركينا فاسو.
لكن ذلك لا يلغي الحقيقة الأهم التي تكشفها المقارنة الزمنية: السنوات الثلاث الأولى بعد الانقلاب لم تشهد انخفاضًا في الخسائر البشرية المرتبطة بالعنف؛ بل ارتفعت الوفيات بصورة كبيرة مقارنة بالسنوات الثلاث السابقة.
وهذا يجعل تقييم المرحلة أكثر تعقيدًا من مجرد القول إن المجلس العسكري فشل أو نجح.
فالواقع يشير إلى أن النيجر انتقلت من منظومة أمنية كانت تعتمد على شراكات دولية واسعة إلى منظومة جديدة ما زالت قيد الاختبار، بينما استغلت الجماعات المسلحة مرحلة الانتقال لإعادة تنظيم صفوفها وتوسيع نطاق عملياتها.
و مما سبق ذكره استطيع القول أنه بعد ثلاثة أعوام، لم تعد المعركة في النيجر مجرد حرب بين القوات الحكومية والجماعات الجهادية.
إنها أصبحت صراعًا متعدد المستويات يشمل السيطرة على الحدود، وحماية السكان، وتأمين الطرق والمنشآت الحيوية، والحفاظ على تماسك المؤسسة العسكرية، وإعادة بناء الشراكات الأمنية، ومنع الجماعات المسلحة من تحويل المكاسب التكتيكية إلى نفوذ جغرافي واقتصادي دائم.
وتكشف أرقام مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاع المسلح مفارقة واضحة: ارتفاع محدود نسبيًا في عدد حوادث العنف، مقابل ارتفاع حاد في عدد الوفيات.
وهذا يعني أن التحدي الحقيقي أمام النيجر خلال المرحلة المقبلة لن يكون فقط خفض عدد الهجمات، وإنما خفض قدرتها على إحداث خسائر واسعة وتعطيل الدولة وفرض كلفة أمنية واقتصادية متزايدة عليها.
وبذلك يدخل المجلس العسكري عامه الرابع أمام معادلة أكثر صعوبة: فقد تغيرت التحالفات، وغادر الشركاء الغربيون، وحل شركاء جدد مكانهم، لكن الجماعات المسلحة لم تختفِ، بل طورت تكتيكاتها ووسعت ساحات عملياتها.
ويبقى الاختبار الأهم هو قدرة الدولة النيجريّة على تحويل التغيير السياسي والتحالفات الأمنية الجديدة إلى قدرة فعلية ومستدامة على حماية الأراضي والسكان، لا مجرد تغيير في الشركاء والخطاب السياسي.
بقلم – حسن يوسف زرما
