تشهد جمهورية مالي مرحلة تُعدّ الأكثر خطورة وتأثيراً منذ اندلاع الصراع المسلح؛ حيث أظهرت التطورات العسكرية تحولاً جائكاً في استراتيجية «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» (JNIM) التابعة لتنظيم القاعدة. لم يعد الصراع محصوراً في كمائن تقليدية في المناطق النائية، بل انتقل إلى نموذج يجمع بين القوة البرية المباشرة، الحصار اللوجستي، الضغط الاقتصادي، والعمليات المنسقة جغرافيًا المستهدفة لمراكز القوة.
التحقق من الخسائر وتفاصيل هجومي ديورا وسيفاري:-
شكل شهر سبتمبر 2026 ذروة التصعيد العملياتي للجماعة عبر ضربتين متتاليتين في وسط مالي:
1/ هجوم ديورا (10 سبتمبر 2026)
استهدف الهجوم موقعاً عسكرياً رئيساً للقوات المسلحة المالية (FAMa) في منطقة ديورا بوسط مالي.
مصادر التحقيق المستقلة والإعلامية: –
أفادت وكالة فرانس برس (AFP) نقلاً عن مصادر أمنية ومحلية بوقوع ما لا يقل عن 100 قتيل في صفوف الجيش المالي، إضافة إلى مقتل 5 عناصر من المرتزقة الروس التابعين لـ «أفريكا كوربس» (Africa Corps). وقدرت وكالة رويترز حصيلة القتلى بين 120 إلى 130 جندياً، مشيرة إلى أسر عشرات آخرين.
بيان الجماعة المسلحة:-
أعلنت «نصرة الإسلام والمسلمين» عبر ذراعها الإعلامية (مؤسسة الزلاقة) قتْل 150 جندياً وأسر 93 آخرين، مع نشر مقاطع مصورة تأكدت وكالات أنباء عالمية مثل أسوشيتد برس (AP) من وجود أسرى فيها، مع التنويه بعدم التحقق المستقل الكامل من الأرقام النهائية.
الموقف الرسمي لجمهورية مالي:-
أقر الجيش المالي بالهجوم وبتكبّده خسائر بشرية دون إعلان حصيلة دقيقة، مؤكداً تنفيذه عمليات برية وجوية لإجلاء الوحدات وتدمير أهداف تابعة للمهاجمين.
2/ استهداف سيفاري ومطارها (15 سبتمبر 2026)
بعد أيام قليلة من ضربة ديورا، تعرضت مدينة سيفاري (بمنطقة موبتي) وقاعدتها المباشرة لقصف مكثف. حيث أُطلقت نحو 14 قذيفة مدفعية مضادة للدبابات (SPG-9) وطائرات مسيّرة باتجاه المطار والمنشآت المجاورة. و لم يستهدف الهجوم الأفراد فقط، بل صُمِّم لتعطيل البنية التحتية الجوية للجيش وحلفائه الروس، واستهدف منظومات الدفاع الجوي والدعم الميداني.
حصلت براون لاند من مصادر طبية ومحلية في مالي عن معلومات حول نقل عشرات الجرحى والقتلى من الجنود الماليين والمقاتلين الروس إلى مستشفى سيفاري عقب أيام من المناوشات والقصف غير المباشر.
التكتيكات الجديدة والقدرات العسكرية للجماعة:-
يكشف التصعيد عن نقلة نوعية في عقيدة الجماعة الاستراتيجية، تتلخص في خمسة تحولات:
1/ العمليات متعددة المحاور (هجمات متزامنة بين الشمال والوسط والجنوب)
2/ تكتيك الحصار والتطويق (منع الإمداد وتثبيت القوات الحكومية)
3/ استهداف البنية التحتية الجوية (شل التفوق الجوي لـ فاما والروس)
4/ خنق شرايين الاقتصاد (حظر القوافل والتضييق على شاحنات الوقود) 5/ التوظيف الإعلامي والنفسي (استغلال فيديوهات الأسرى لإحباط الجيش.
الهجمات المركّبة ومتعددة المحاور:-
1- الانتقال من أسلوب “اضرب وانسحب” عبر الكمائن والعبوات، إلى شن هجمات منسقة ومجتمعة عبر مدن وقواعد متعددة في آن واحد.
2- اعتماد تكتيك الحصار والتطويق بالإضافة إلى محاصرة القواعد العسكرية والبلدات لمنع وصول التعزيزات البرية (كما حدث في أنفيس وكيدال وسيفاري).
3- شلّ التفوق الجوي: تركيز الهجمات على المطارات، الطائرات المسيرة، ومنظومات الدفاع الجوي لتقليل الفجوة العسكرية مع القوات الحكومية المعتمدة أساساً على الطيران الروسي.
4-تكتيك الخنق الاقتصادي: توسيع استهداف شاحنات الوقود والقوافل التجارية على الطرق الشريانية الحيوية (مثل طرق كاييس وكونا وباماكو)، مما يحول الحرب إلى أزمة طاقة واقتصاد تخنق العاصمة.
5- التأثير النفسي والإعلامي: استغلال مشاهد الأسرى والغنائم لإحداث شرخ في معنويات المؤسسة العسكرية وإظهار عجز الدولة عن حماية ثكناتها.
هل يمثل التعاون مع «جبهة تحرير أزواد» (FLA) تحولاً استراتيجياً؟:-
نعم، يمثل التنسيق بين «نصرة الإسلام والمسلمين» (JNIM) و«جبهة تحرير أزواد» (FLA) الانفصالية تحولاً تكتيكياً بارزاً، لكنه لا يعبر عن اندماج هيكلي كامل.
1/ الأدلة الميدانية:
- تنفيذ هجمات منسقة واسعة النطاق أدت لسقوط مواقع استراتيجية ومدن شمالية مثل كيدال.
-استخدام السلطات المالية والمعهد الأفريقي للدراسات الأمنية (ISS) مصطلح “ائتلاف عملياتي” للتعبير عن المعارك المشتركة في أنفيس وشمال مالي. - طبيعة التحالف: هو تحالف ضرورة وتنسيق ميداني ضد عدو مشترك (الجيش المالي والشركاء الروس). تجمع فيه JNIM خبرتها في حرب العصابات والتأثير العقائدي والتكتيكي، بينما تقدم حركة FLA الغطاء السياسي، المعرفة الجغرافية الواسعة للصحراء، والشعبية المحلية في مناطق الأزواد.
- حدوده: تحذر تحليلات مراكز أبحاث دولية (مثل ISS) من أن هذا التحالف مهدد بالانكسار مستقبلاً نظراً للتناقض الجوهري بين المطلب العلماني/الانفصالي للأزواد والمشروع الجهادي العابر للحدود لـ JNIM.
تأثير التصعيد على قدرات الجيش المالي و«أفريكا كوربس»
تسبب التصعيد في كشف ثغرات أمنية وهيكلية عميقة لدى القوات المشتركة:-
1/ فقدان المبادرة البرية: رغم امتلاك الجيش المالي وحلفائه الروس («أفريكا كوربس») تفوقاً ناعماً في القوة النارية والاستطلاع الجوي، إلا أن هذا التفوق لم يتحول إلى سيطرة برية مستدامة.
2/ إنهاك خطوط الإمداد: تحولت المعركة إلى حرب استنزاف؛ حيث تضطر القوات الحكومية لاستنزاف جهدها في حراسة القوافل ومحاولة إفكاك الحصار عن القواعد المعزولة.
3/ التكلفة السياسية والبشرية للشركاء: تكبد عناصر «أفريكا كوربس» الروس خسائر متزايدة في الأرواح، فضلاً عن تصاعد الانتهاكات بحق المدنيين خلال العمليات المضادة وفق تقارير هيومن رايتس ووتش (HRW)، مما يعمق عزلة النظام العسكري سياسياً.
خامساً: السياق الإقليمي العام لتصاعد العنف في الساحل
تظهر بيانات مؤشر النزاعات المسلحة (ACLED) أن النزاع في مالي والساحل لم يعد مجرد نشاط محلي محصور، بل تشهد المنطقة تصاعداً إقليمياً واسعاً على النحو التالي:
1- ارتفاع معدلات العنف السياسي: سجلت مالي وبوركينا فاسو والنيجر زيادات قياسية في أعداد الحوادث المسلحة مقارنة بالأعوام السابقة.
2- تعدد الجبهات: يواجه الجيش المالي ضغوطاً متزامنة من جماعة JNIM في الوسط والجنوب والغرب، ومن الحركات الانفصالية في الشمال، ومن تنظيم الدولة الإسلامية في منطقة الحدود الثلاثية.
و السؤال المطروح هل نشهد تحولاً في طبيعة الصراع وقدرة الجماعات المسلحة على الضغط على الدولة المالية؟
نعم، نحن أمام تحول بنيوي في طبيعة الصراع.
الاستنتاج الدقيق لا يعني أن جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» أصبحت قاب قوسين أو أدنى من اجتياح العاصمة باماكو أو إسقاط النظام العسكري بشكل مباشر. لكن التحول الكامن يكمن في انتقال الجماعة من موقع “التمرد المحاصر في الأرياف” إلى “شبكة ضغط متعددة الجبهات” قادرة على شل مفاصل الدولة المالية.
لم يعد السؤال اليوم: «هل تملك الجماعات المسلحة قدرة الهجوم؟» – فقد أثبتت أحداث ديورا وسيفاري ذلك. بل أصبح السؤال المفصلي: «هل تستطيع الدولة المالية وحلفاؤها تحويل التفوق الناري إلى قدرة استراتيجية مستدامة لحماية القواعد والقوافل، وتأمين البنية الاقتصادية، ومنع المسلحين من فرض زمان ومكان المعركة؟» والمعطيات الحالية تشير إلى أن الدولة المالية تمر ببدء مرحلة حتاَمية واختبار غير مسبوق لبقائها واستقرارها.
